ويعتبر إنشاء لجان الحقيقة تحدياً كبيراً ،لأن من شأنها أن تعمل على إنشاء أجهزة تحقيق قوية لكشف كل الحقائق المتعلقة بالعنف الذي ترتكبه جهات تابعة للدولة أو جهات غير تابعة لها .والتي كثيراً ما تتعرض للإنكار أو الإخفاء أو سوء الفهم ،ولذلك يعد التعلم من دروس الماضي درساً بالغ الأهمية ،وكما يقول الكاتب الأمريكي فوكنر ” الماضي ليس ما ضياً أبداً ،إنه يعيش بيننا ” .فلابد من التعلم من الماضي من اجل إحداث التغيير اللازم لمنع وقوع الانتهاكات في المستقبل ،والاعتراف بالضحايا وما كابدوه من المحن .
لكن إنشاء اللجان يجب أن لا يتم إلا بعد تشاور وطني موسع ،وتحديد صلاحيات مناسبة للجنة ،ووجود التزام سياسي واضح يسمح بالتحقيق المستقل والفعال ،كما أنه عند السعي لمحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي ،يجب بذل جهود قوية وجادة لإقامة الدعاوى القضائية – بما في ذلك تدعيم نظم المحاكم المحلية – ويجب إيلاء نفس القدر من الاهتمام والأولوية للتدابير اللازمة لمنع الانتهاكات في المستقبل .
ويخلط الكثير من المراقبين ما بين لجان الحقيقة والمحاكم ، وذلك لأن لجان الحقيقة تتناول العديد من الوقائع التي يمكن لها أن تكون موضوعاً للمحاكمة ،إلا أنه ينبغي أن لا نساوي بين لجان الحقيقة والهيئات القضائية أو أن تعتبر بديلاً عن المحاكمات ، إن لجان الحقيقة هي هيئات غير قضائية ولهذا فصلاحياتها بالطبع هي أقل بكثير من سلطات المحاكم ،فليس لها سلطة السجن ،وليس لها سلطة إنفاذ توصياتها ،بل إن معظمها يفتقر حتى إلى سلطة إلزام أي شخص بالمثول أمامها[1] .
وقد أقامت عدد من الحكومات “لجاناً تاريخية ” ،وهي آليات حالية للتحقيق في انتهاكات الدولة التي وقعت و انتهت منذ سنوات أو حتى عقود عديدة ،وعلى عكس لجان الحقيقة لا تتأسس اللجان التاريخية كجزء من عملية تحول سياسي ،بل وقد تكون مقطوعة الصلة بالقيادة السياسية أو الممارسات السياسية القائمة .فبدلاً من ذلك تعمل اللجان على تجلية الحقائق التاريخية وتكريم الضحايا الذين لم تعترف بهم أو بذريتهم . وهناك وجه آخر من وجوه المفارقة هو أن اللجان التاريخية بوجهس عام ،هلى عكس لجان الحقيقة ،لم تحقق في وقائع القمع السياسي الواسع ،بل ركزت على ممارسات قد تكون أضرت بجماعة عرقية أو عنصرية أو أية مجموعة أخرى بعينها ،ومن أمثلة هذه اللجان ” لجنة الولايات المتحدة حول إعادة التوطين زمن الحرب واحتجاز المدنيين ” و ” اللجنة الملكية الكندية المعنية بالسكان الأصليين ” .
وهناك عدد كبير من المشروعات غير الحكومية التي وثقت ،مثل لجان الحقيقة ، الانتهاكات والتعديات التي ارتكبها النظام السابق ،وغالباً ما جرى ذلك في ظل مخاطر جمة على الأنفس والأرواح ،وعادة ما تقوم بهذه المشروعات منظمات حقوق الإنسان الوطنية ،وقد خرجت في بعض الأحيان بنتائج مبهرة ،ومن الأمثلة البارزة على ذلك ، عمل منظمات من مثل ” هيئة السلام والعدالة في أمريكا اللاتينية “[2] .
يشير، إذاً ،مصطلح ” لجنة الحقيقة ” بصفة عامة إلى هيئات تشترك في السمات التالية :
–        هيئات مؤقتة ،غالباً ما تعمل لمدة عام أو عامين .
–   هيئات معترف بها رسمياً مفوضة من قبل الدولة وتستمد صلاحياتها منها ،وفي بعض الأحيان من المعارضة المسلحة بالإضافة إلى الدولة ،أو ينص عليها في اتفاقية سلام .
–        هيئات غير قضائية تتمتع بقدر من الاستقلال القانوني .
–        عادة ما تنشأ في غمار عملية تحول وانتقال ،إما من الحرب إلى السلام أو من الحكم التسلطي إلى الديمقراطي .
–        تصب اهتمامها على الماضي .
–        تحقق في أنماط التعديات وانتهاكات معينة ارتكبت على مدار فترة من الزمن لا في حدث واحد بعينه .
–        تكمل عملها بتقديم تقرير نهائي يضم استنتاجاتها وتوصياتها .
–        تركز على انتهاكات حقوق الإنسان وفي بعض الأحيان على المعايير الإنسانية كذلك[3] .
وقد تأسس منذ عام 1974 وحتى الآن ما يزيد على 26 لجنة حقيقة رسمية في العالم برغم ما أطلق عليها من مسميات مختلفة . ففي الأرجنتين وأوغندا وسيريلانكا أنشئت ” لجان خاصة بالمختفين ” ،وفي هاييتي والإكوادور أنشئت ” لجان الحقيقة والعدالة ” ،وفي تشيلي وجنوب أفريقيا وسيراليون وجمورية يوغسلافيا السابقة “لجان الحقيقة والمصالحة ” وفي تيمور الشرقية ” لجنة الاستقبال والحقيقة والمصالحة ” ،وأحدثها في المغرب ” هئية الإنصاف والمصالحة “[4] .
يعود إنشاء لجنة الحقيقة إلى الأسباب التالية :
–        إثبات الحقيقة بشان الماضي .
–         محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان .
–        توفر منبراً عاماً للضحايا .
–        تحفز على النقاش العام وتثريه .
–        توصي بتعويضات للضحايا .
–        توصي بالإصلاحات القانونية والمؤسسية اللازمة .
–        تعزز المصالحة الاجتماعية .
–        تساعد على تعزيز التحول الديمقراطي .
لكن ، لابد أن نذكر أن هناك حالات لا تستخدم فيها لجان الحقيقة خوفاً من :
–        التخوف من استمرار أو تجدد العنف أو الحرب .
–        غياب الاهتمام السياسي .
–        الأولويات الأخرى : من مثل تركيز الحكومة على مقومات الحياة وإعادة البناء في أعقاب الدمار الشامل .
–         نقص الإمكانيات .
وجود آليات أو تفضيلات أخرى ،كأن تكون الثقافة الوطنية الخاصة تتلافى مواجهة جرائم الماضي ،أو أن يكون هناك آليات قائمة في المجتمع المحلي يمكن لها أن تستجيب إلى العنف الواقع حديثاً بصورة أفضل[5] .

[1]  مارك فريمان و بريسيلا ب .هاينر ،المصارحة ( نيو يورك : المركز الدولي للعدالة الانتقالية ، 2004 ) ص 2 .

[2] المرجع نفسه ، ص 3 .

[3] المرجع نفسه ، ص4 .وانظر : Hayner, Priscilla (2002). Unspeakable Truths :Facing the Challenge of Truth Commissions. New York: Routledge .

[4] المرجع نفسه ، ص4 .وانظر : Hayner, Priscilla (2002). Unspeakable Truths :Facing the Challenge of Truth Commissions. New York: Routledge .

[5] المرجع نفسه ، ص7 . و أيضاً : Robert I.Rotberg , Apology ,Truth Commissions ,and Intrstate Conflict , Taking Wrongs Seriously :Apologies and Reconciliation,Edited by Elazar Barkan and Alexander Karn ,Stanford University Press ,2006,P.33-48 .

عن التذكر والنسيان

ياسين الحاج صالح لعلّي لا أختلف عن سوريين كثيرين في النفور من أي تذكّر تفصيلي لوقائع السنوات المجنونة، مثل مذبحة تدمر 1980، أو تاريخ سجن تدمر كله بين أواخر السبعينات حتى إغلاقه عام 2001، أو مأساة حماة 1982، أو حتى المحطات الرئيسية في تاريخ حبسي الشخصي. لا يختلف هذا النفور […]

More...