مفقودون قسراً في السجون أو القبور:
أوان الفضح والمحاسبة
المستقبل – الاحد 15 كانون الثاني 2006 – العدد 2152 – نوافذ – صفحة 10
رزان زيتونة

يَصِلُ الألم الى منتهاه، عندما يتعلق الأمر بأحد الأحبّة الذين نعجز عن ملاقاتهم على الأرض أو رفع الصلوات لهم في السماء. على الحد الفاصل ما بين الموت والحياة يقف المفقودون الذين غيّبتهم يد الإجرام.
ردم هذا الألم، لا يكون بغير الوصول إلى الحقيقة أولاً، ومحاسبة المرتكبين ثانياً، والتعويض على ذوي المفقودين معنوياً ومادياً ثالثاً.
تحقيق ما سبق يغدو بالغ الصعوبة وأقرب إلى المستحيل في دولة مثل سوريا، حيث تعزى جرائم الاختفاء القسري التي تعرّض لها الآلاف، إلى نظام أمني مازال قائماً.
أما الآليات الدولية للحدّ من جرائم الاختفاء القسري ومساءلة مرتكبيه، فما زالت قاصرة عن تحقيق الهدفين إلى حد بعيد، فيما يرى نشطاء بأن للوضع السياسي الدولي تأثيره على هذا الملف بشكل مباشر.
في ذلك يقول الدكتور هيثم مناع، الناطق باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان (باريس) : “انتزاع إنسان من الوجود إلى حالة ثالثة بين الموت والحياة اليوم جريمة جسيمة، تعني ممارستها المنتظمة في القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية، كما نص ميثاق روما. تطور مفهوم المحاسبة ووسائل استجواب الحكومات المحلية والإقليمية والدولية انتقل بهذه المأساة من الصمت الرسمي والتواطؤ إلى إمكانية الملاحقة والاستجواب والمحاسبة. أي أننا في أقل من ستين عاما حققنا خطوات نوعية كبيرة. المشكلة أن منجزات النصف الثاني من القرن العشرين موضوعة اليوم على طاولة البحث “الأميركي” منذ بدعة “الحرب على الإرهاب” التي أعادت شبح التعذيب والاختطاف والحصانة ضد العقاب للأميركيين، أي بتعبير آخر، فرض صورة “أبناء الست وأبناء الجارية” في موضوع انتهاكات حقوق الإنسان، الأمر الذي شل العديد من الآليات المقترحة في طور الصياغة وأضعف الآليات القائمة. لدينا عشرات الحالات من المفقودين على أيدي قوات الاحتلال الأميركي الذين ترفض الإدارة الأميركية إعطاء أية معلومات أو ردود بحقهم في العراق وأفغانستان، فلماذا تستعجل الحكومات في سوريا أو الجزائر بشأن ملف المفقودين؟
بينما يرى نيل سايمونز، الخبير في الشؤون السورية من منظمة العفو الدولية، بأنه م.ع.د تعمل عن قرب مع الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي العاملة التابع للأمم المتحدة فيما يتعلق بحالات “الاختفاء” في كل العالم. ويشجع الفريق منظمات حقوق الإنسان على تزويده بالمعلومات ذات العلاقة بهذه الحالات. ويمكن من أجل المزيد من المعلومات عن عمل الفريق الدخول إلى موقع: http://www.ohchr.org/english/issues/disappear
وكما تعلمون، فقد أقرَّت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بعد دراستها لتطبيق السلطات السورية الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ما يلي:
“ترحب لجنة الأمم المتحدة بالمعلومات المقدمة من قبل الوفد حول اتفاق 5 أيار 2005، بين رئيس الوزراء اللبناني والرئيس السوري والمتضمن تشكيل لجنة تجتمع دورياً لمتابعة التحقيق بوقائع اختفاء مواطنين سوريين ولبنانيين في سوريا ولبنان. ولكن لجنة الأمم المتحدة تبقى قلقة لأنه لم يتم تقديم معلومات كافية عن الخطوات العملية المتخذة لتشكيل تلك اللجنة في سوريا وتركيبتها المتخيّلة واستقلاليتها. (المواد 2ـ 9 ـ 7 ـ 6).
على الدولة أن تقدم حساباً خاصاً عن المواطنين اللبنانيين والسوريين وغيرهم الذين اقتيدوا إلى السجن أو نقلوا إلى السجن في سوريا، والذين إلى الآن لم يتم تبيان وضعهم. على الدولة أيضاً أن تقوم بخطوات فورية لتشكيل لجنة مستقلة وموثوقة للتحقيق في كل الاختفاءات تماشياً مع توصيات لجنة الأمم المتحدة المقدمة عام 2001″.
وعلى الرغم من أن جريمة الاختفاء القسري الممارسة بشكل منتظم تعتبر جريمة ضد الإنسانية، وعلى الرغم من خطورتها وكثرة ضحاياها على امتداد العديد من الدول، لم يتم إقرار معاهدة خاصة بها حتى اللحظة.
فلجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة اكتفت في العام 2001 بإقرار إنشاء مجموعة عمل من ممثلي الدول لصياغة مسودة اتفاقية نوعية ملزمة قانونيا حول جريمة الاختفاء القسري، وتمت صياغة مسودة الاتفاقية في أيلول 2005 .
يرى الدكتور مناع سبب التأخر في إقرار ميثاق ملزم حول الحماية من الاختفاء القسري بأن “الدول التي كانت محركا أساسيا في هذا الاتجاه لم تعد كلها كذلك، وبالتالي فقد تحول تحالف المنظمات غير الحكومية على الصعيد العالمي مع عدد كبير من الدول المتقدمة في قضايا حقوق الإنسان، إلى تحالف بين هذه المنظمات مع قلّة من الدول الديموقراطية التي تقاوم عولمة حالة الطوارئ، الأمر الذي لا يسمح بإقرار مثل هذا الميثاق”.

وعلى ضعف هذه الآليات في حل ملف الاختفاء القسري، فإن اللجوء إليها ضروري كخطوة أولى من خطوات عديدة يمكن أن تتخذ على هذا الصعيد، وفي ما يتعلق بالمفقودين في السجون السورية، فقد بادرت عدة منظمات حقوقية سورية إلى فتح هذا الملف بعيداً عن التعامل مع الآليات الدولية أغلب الأحيان، وكانت النتائج حتى الآن جمع قوائم متنوعة وغير دقيقة لبضع مئات من المفقودين في السجون السورية، بالإضافة إلى بعض الخطوات على سبيل الآليات الدولية. يقول الدكتور مناع: “بدأنا التجميع والجدولة (فيوليت داغر للملف اللبناني وأنا للملف السوري) في الثمانينات، قبل ولادة اللجنة العربية لحقوق الإنسان، أما في التسعينات فقد تقدمت شخصياً بأول 64 حالة اختفاء تم تبنّيها جميعها من قبل الفريق الخاص بالاختفاء القسري أو اللا إرادي التابع للأمم المتحدة، وفي القائمة الثانية، كون الفريق غير قادر على تبني مئات الحالات دفعة واحدة، كان لدينا 336 اسماً، تم دراسة أقل من مائة منها، ورفضت 6 حالات عندما تبين أن السلطات السورية قد أفرجت عنهم بعد أن كانوا في عزلة عن العالم. في حين كانت إجابات كثيرة من السلطات بأن الأشخاص قد نفذ بهم حكم الإعدام لارتكابهم جرائم قتل. كمثل أعطي حالة الفقيد المهندس مضر الجندي الذي اعتقل عام 1987 وقضى تحت التعذيب؛ كان الرد الحكومي يقول انه حوكم في السجن وحكم عليه بالإعدام لاختطافه مواطنين أبرياء وتقطيع أعضائهم، ثم يضيف: وقد توفي في السجن دون توضيح السبب. طبعاً من المثير للسخرية أن عملية اختطاف لأبرياء وقتلهم وتقطيعهم لا تجد سطراً واحداً في الصحافة السورية وقتئذ؟ ومن المأسوي أنه حتى اليوم، تُعطى عائلة الفقيد قيد نفوس يشير إلى أنه على قيد الحياة”.
من المستغرب أن ادعاءات بفقدان الآلاف في السجون السورية يقابلها أقل من أربعمائة حالة فقط معروضة على الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري. إذ يسود اعتقاد بأن هذا الملف لم يأخذ من الحقوقيين ما يستحق من الاهتمام على الصعيدين الحقوقي والإعلامي.
يقول الدكتور مناع في هذا الإطار: “عدد الحالات المعروضة على الفريق المعني بالاختفاء القسري الخاصة بسوريا أقل بكثير من المطلوب؛ ولكن ما أعرفه يصل إلى قرابة 400 حالة. للأسف هناك منظمات أخذت مساعدة ضخمة جداً من المفوضية الأوروبية لهذا الغرض، إلا أن من مثّل سوريا لم يفعل شيئاً سوى المشاركة في سياحة مؤتمرات المفقودين حول المتوسط. عندما كنت في “لجان الدفاع عن الحريات الديموقراطية وحقوق الإنسان” قمت بما أستطيع، بعد مغادرتي لها لم تشهد نشاطاً يذكر. كذلك، “الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان” لم تتابع ما قمت به عندما كنت نائباً للرئيس بعد خلافي مع قيادتها؛ كذلك كل من تحدث عن المفقودين والمنفيين في تجمعات في فرنسا، لم يكلف نفسه عناء أخذ نسخ من أرشيفنا الموضوع تحت تصرف من يريد العمل؛ في حين أن اللجنة السورية لحقوق الإنسان في لندن تقوم بعمل تجميعي مهم جدا. كوني كنت بصدد بناء آليات تدخل خاصة باللجنة العربية لحقوق الإنسان فقد تأخرت عامين عن متابعة الموضوع..”.
وفي الإطار نفسه يقول نيل سايمونز عن التعامل مع ملف الاختفاء القسري في سوريا: “تعمل منظمة العفو الدولية على حالات الاختفاء القسري باستمرار. في السنوات الأخيرة عملت على حالات “اختفاء” في نيبال ودارفور واريتريا والسلفادور والسنغال وليبيريا والجزائر وجمهورية يوغوسلافيا السابقة والمكسيك وتوغو والإكوادور وكولومبيا وتشيلي والأرجنتين وسوريا ولبنان. وبالنسبة لسوريا فقد عملت م.ع.د مع عدد من منظمات حقوق الإنسان وأفراد في سوريا، وعلى نحو أوسع في لبنان بخصوص حالات الاختفاء القسري. لكن للأسف هناك حالياً فرصة ضئيلة لإعطاء الأولوية لمسألة آلاف السوريين الذين “اختفوا”، معظمهم في عقود سابقة، بسبب الموارد المحدودة والمناخ السياسي الحالي وقضايا حقوق إنسان أخرى ملحّة في البلد”.
من ناحية أخرى، ونظراً لترابط ملف المفقودين اللبنانيين والسوريين في السجون السورية، فقد كان من المتوقع وجود نوع من التنسيق أو التعاون ما بين المنظمات الحقوقية في البلدين حول هذا الملف، وهو ما لم نلمسه على أرض الواقع.
في هذا الإطار يقول الناشط عمّار قربي، من المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا: “نتيجة ارتباط ملف المفقودين بين لبنانيين وسوريين حاولنا العمل على هذا الملف وتوصلنا إلى بعض المعلومات. حاولنا التثبت منها عبر التعاون مع المنظمات اللبنانية، وأرسلنا إلى الصليب الأحمر استعدادنا للتعاون ولكن لم يأتنا جواب، فأرسلنا رسالة عامة عبر الصحافة ووسائل الإعلام اللبنانية نعلن فيها استعدادنا للتعاون مع منظمات حقوق الإنسان اللبنانية ولكن لم يتم الاتصال بنا من أية جهة، فبادرت بالاتصال بنقابة المحامين اللبنانية حول نفس القضية وبحثت هذا الملف مع ممثل لمنظمة “مرصاد” اللبنانية أثناء لقاء بيننا، وعلى ما يبدو أنهم لا يملكون معلومات موثقة لمساعدتنا في هذا الموضوع.
هذا الملف شائك ولا توجد إحصائيات لبنانية مفصلة حول هوية المفقودين، فمنهم من هو سوري يعيش في لبنان ويعتبره اللبنانيون لبنانياً، ومنهم من هو فلسطيني يعيش في لبنان ومنهم من هو سوري أو فلسطيني يحمل الجنسية اللبنانية …الخ. قناعتي الشخصية أن بعض المنظمات اللبنانية التي تملك بعض المعلومات قد اكتفت بما تعرفه، وليست على استعداد للتعاون مع احد من اجلها، ناهيك عن الفكرة الخاطئة عن المنظمات الحقوقية السورية من قبل بعض المنظمات اللبنانية”. !!
في كل الأحوال فإن مبدأ المحاسبة والتعويض يغيب عن برنامج عمل الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري كما أسلفنا، ولتلافي هذه الثغرة تقوم بعض الجهات الحقوقية بمحاولات من أجل تنظيم عمل يمكّن الضحايا أو عائلاتهم من مقاضاة مرتكبي الجرائم وتحقيق مبدأ المحاسبة.
يقول الدكتور مناع: “نحن نعتقد بأن حقوق الإنسان إن كانت في القرن العشرين في طور التكون الأساسي قانونياً وثقافياً، والشجب على صعيد مواجهة الانتهاكات، فإن مهمتها في القرن الواحد والعشرين الانتقال من الشجب إلى المحاسبة باعتبارها المكمّل المنطقي لمفهوم إقامة العدل ومنع المظالم. من هنا نحن بصدد مباشرة “البرنامج الدولي لمناهضة غياب المحاسبة”، وهو برنامج مستقل عن الحكومات ومؤسسات التمويل، منبثق عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان (فرنسا) وجمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان (جنيف) ومنظمة العدالة العالمية (لاهاي) يكون مقره لاهاي، ويتسلم إدارته المحامي إبراهيم التاوتي أحد أهم الحقوقيين المهتمين بالاختصاص الجنائي العالمي والمحكمة الجنائية الدولية. هذا المشروع الذي سنعلن عنه مطلع عام 2006 ، سيقوم بعملية بناء بنك للمعلومات ومرصد للانتهاكات الجسيمة، وإقامة الجسور بين الضحايا والمنظمات غير الحكومية والمحامين من أجل إقامة دعاوى تلاحق المجرمين والجلادين. نتمنى التعاون مع كل الطاقات الجدية في سوريا من أجل أن ينال هذا الملف حقه في ملاحقات ملموسة وتوثيق يشكّل أرضية ضرورية لأية هيئات تتشكل في سوريا للمحاسبة في المستقبل”.
في المحصلة، هل هناك إمكانية لعمل جدي على صعيد ملف المفقودين في سوريا في الوقت الحالي؟ أم أن العمل على هذا الملف رهن بتغير الظروف السياسية والأمنية السائدة؟ يقول نيل سايمونز “تؤمن م.ع.د بأنه يجب التحقيق في كافة انتهاكات حقوق الإنسان ويجب محاكمة مرتكبيها. لقد أعلنت م.ع.د أن الحصانة والتي تعني الإعفاء من العقوبة، وتخلف الدولة عن التحقيق في الجرائم وملاحقتها بموجب القانون الدولي من أجل جلاء الحقيقة حول ما جرى، وتقديم تعويضات كاملة إلى الضحايا وعائلاتهم ـ هي العامل الأكثر أهمية الذي يقود إلى استمرار انتهاكات حقوق الإنسان. حالات الاختفاء القسري، والتي يمكن أن تشكل جرائم ضد الإنسانية، هي من بين أشد انتهاكات حقوق الإنسان شناعة؛ كما أنها من بين الحالات ذات الأهمية الفائقة التي تتطلب التحقيق. نعم تشير تجربة م.ع.د ـ في جنوب افريقيا على سبيل المثال ـ إلى أن الفترات الأكثر فاعلية للعمل تكون أثناء مرحلة انتقالية. لكن ذلك بالطبع لا يعني أن المسألة قابلة للتجاهل قبل تلك المرحلة. يجب أن نحاول جميعاً أن نساهم بتذكر “المختفين” وبالإعداد للفرصة التي قد نبحث فيها عن العدالة والحقيقة والتعويض”.