يمكن اعتبار عقد الثمانينات من القرن الماضي أنه العقد الذي شهد الانتهاكات الأشد فيما يتعلق بحقوق الإنسان في سورية ،شملت اتساع ظاهرة الإعدام دون محاكمة عادلة ،وتفشي ظاهرة الاختفاء القسري لعددٍ كبير من السياسيين والناشطين يقدر عددهم بعض ناشطي حقوق الإنسان في سورية والمنظمات الدولية بأنهم تجاوزا السبعة عشر آلاف مفقود ،وصدور أحكام مجحفة بحق المعتقلين السياسيين لا تتوافق مع الحد الأدنى للمعايير الدولية لمبدأ المحاكمات العادلة .وترافق ذلك مع موجة عنفٍ اجتاحت الكثير من المدن والقرى السورية .

وتعود المسألة إلى نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي عندما استعانت  الحكومة السورية بالجيش والقوات المسلحة على نطاق واسع لإخماد العنف السياسي الذي اندلع بين عامي 1979 و1982 ، وقامت بالزج بأعداد كبيرة من المدنيين في معترك الصراع مع المعارضة، وقد ارتكبت في تلك الفترة عدد من المجازر كان أبرزها في مدينة حماة ، حيث وعلى مدى 27 يوماً بدءاً من الثاني من شباط/فبراير 1982 قامت القوات السورية بتطويق مدينة حماة وقصفها بالمدفعية ومن ثم اجتياحها عسكرياً ، وقدر عدد الضحايا ما بين 30-40 ألفاً من بينهم نساء وأطفال ومسنين، إضافة إلى 15 ألف مفقود لم يتم العثور على أثارهم منذ ذلك الحين، واضطر نحو 100 ألف نسمة إلى الهجرة عن المدينة بعد أن تم تدمير ثلث أحيائها تدميراً كاملاً، وتعرضت أحياء أخرى إلى تدمير واسع، إلى جانب إزالة عشرات المناطق الأثرية والتاريخية نتيجة القصف المدفعي.
وما زال المجتمع السوري حتى الآن يعاني من  تداعيات هذا العقد.لذلك وفي محاولةٍ منا للخروج من هذا المأزق السياسي والقانوني والإنساني فإنه لا بد من وعي تداعياته على الحاضر والمستقبل ،بحيث يحق لنا السؤال اليوم  كيف لنا أن نتجاوز التاريخ عبر معالجته دون أن نسقط في أفخاخه ومشاكله .

وقد حكم النظر إلى تلك الفترة وجود منظورين متناقضين للحقبة ذاتها داخل المجتمع السوري يحتّم علينا الوصول إلى بناء منظور حقوقي يتجاوز المرحلة الطائفية  ليعيد سورية إلى استقرارها السياسي والاجتماعي  .

تبرز هنا فكرة الصفح بوصفها استراتيجية سياسية قادرة على تجاوز الماضي عبر استثمار عبِره وأخطائه ،إن مفاهيم الصفح والتسامح والعدل ،أو بما يُسمى المفاهيم التأسيسية لمرحلة العدالة الانتقالية قادرة على تأسيس شرعية تدشينية لكل أمةٍ تمرّ بشكلٍ ما من أشكال الحرب الأهلية أو النزاع والصراع الداخلي بين مكوناتها السياسية أو الاثنية أو الطائفية أو القومية ،فهي بوابةٌ لابد من المرور بها لإعادة تأسيس مفاهيم الدولة الحديثة على أسس ديمقراطية وتعددية كما جرى في جنوب أفريقيا وشيلي والبيرو والمغرب.