يتم إحياء الذكرى عن طريق أي حدث أو واقعة أو بناء يستخدم بمثابة آلية للتذكر. ويمكن أن يتم إحياء الذكرى بشكل رسمي (مثل إقامة نصب تذكاري) أو غير رسمي (مثل بناء جدارية في مجتمع محلي)؛ رسميا من طرف الدولة أو تلقائيا من طرف المواطنين. ويسعى الناس إلى إحياء ذكرى أحداث الماضي لأسباب عديدة، منها الرغبة في استحضار ذكرى الضحايا و/أو التعرف عليهم، أو تعريف الناس بماضيهم، أو زيادة وعي المجتمع، أو دعم أو تعديل رواية تاريخية، أو تشجيع تبني الاحتفال بالذكرى/ أو عملية العدالة الانتقالية من طرف مستوى محلي.
ويمثل فهم احتياجات الضحايا وعائلاتهم والناجين من الفظاعات الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان الصارخة أحد العناصر الرئيسية في العدالة الانتقالية. ورغم عدم وجود شكل وحيد لتعامل الضحية مع الماضي، إلا أن الضحايا وجمعياتهم المنظمة كثيرا ما يطالبون بالعمل على بلوغ عدد من أهداف العدالة الانتقالية، بما في ذلك تحقيق العدالة والمحاسبة، وإظهار الحقيقة، وجبر الأضرار، وضمان عدم تكرار ما جرى. إضافة إلى كل ذلك، غالبا ما يكون هناك مطلب بالتذكر. فتذكر الماضي يتيح نوعا من تكريم أولئك الذين ماتوا أو تمت التضحية بهم. غير أن آليات التذكر يمكن أن تساهم في بلوغ أهداف أخرى للعدالة الانتقالية، بما في ذلك البحث عن الحقيقة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلا، وتحفيز الحوار والنقاش حول الماضي، ووضع سجل تاريخي مناسب، والإنصات لأصوات الضحايا ومتابعة الأهداف المرتبطة بجبر أضرار الضحايا.
إن الصراع حول التحكم في الذاكرة الوطنية أو “الجماعية” يقع في صميم سياسات المحاسبة التي تعقب حالات ما بعد انتهاء النزاعات أو سقوط السلطة. وكثيرا ما يشعر الضحايا ونشطاء حقوق الإنسان بغبن عميق من جراء جهود الحكومة الجديدة أو القديمة، حتى لو كانت حكومة ديمقراطية، قصد خلق “رواية رسمية”، أي رواية تؤلفها الدولة حول الماضي. وأحيانا ما ينظر إلى استراتيجيات العدالة الانتقالية – مثل إنشاء لجنة للحقيقة – كخطوة ضرورية في اتجاه التذكر، لكن أيضا كخطوة غير كافية في الوقت نفسه. وسبب ذلك أن الحفاظ على الذاكرة حية هو أمر في غاية الصعوبة، بل إن لجان الحقيقة الرسمية تصبح جزءا من رواية رسمية جامدة عن الماضي، ومن ثم فإن التحدي الذي يفرض نفسه من هذا المنظور هو “أن لا ننسى أبدا”.
ويتضمن مطلب عدم النسيان على الإطلاق حول ما حدث لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي التنازع حول ما يتعين تلقينه في المدارس، وكيف ينبغي تذكر الضحايا، وإذا ما كان الناس سيستمرون في الاستماع إلى أصوات الضحايا، حتى بعد نشر تقرير لجنة للحقيقة أو نجاح محاكمة أحد مرتكبي الانتهاكات. وحتى لو تكفلت كتب التاريخ برواية قصص الضحايا، فإن التذكر يجب أن يجعل الناس ينخرطون في حوار حي وديناميكي ودائم، ليس فقط حول الماضي – وأحداثه ودلالاتها – بل أيضا حول الطريقة التي يستفيد بها الحاضر من هذا الماضي ويمكن المجتمعات من استعداد أفضل للمستقبل[1] .
النصب التذكارية تجسيد لأحداث وأشخاص أو نشاطات حدثت في فترة تاريخية سابقة. وهي فئة واسعة للغاية وتشمل أشكالا فنية عديدة، وأعمال نحت، وحدائق تذكارية، (مثل متحف تيريزين التذكاري في جمهورية التشيك أو متحف المقاطعة 6 في جنوب أفريقيا)، واللوحات التذكارية، وتحويل مراكز تعذيب سابقة إلى ساحات للتذكر (مثل موقع تيول سليتغ في كمبوديا)، والجدران التذكارية (مثل جدار مايا لينز التذكاري عن حرب فيتنام في واشنطن) وجهود أخرى تهدف إلى إثارة التذكر والنقاش حول الماضي.
يمكن أن تكون النصب التذكارية بمثابة تعويض رمزي للضرر. وقد أشار تقرير الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا إلى هذه الوظيفة، مركزا على الأهمية الاجتماعية المرتبطة بها .

النصب التذكارية والمطالبة بأماكن عامة[2] :
النصب التذكارية تجسيد لأحداث وأشخاص أو نشاطات حدثت في فترة تاريخية سابقة. وهي فئة واسعة للغاية وتشمل أشكالا فنية عديدة، وأعمال نحت، وحدائق تذكارية، ومتاحف ضمير (مثل متحف تيريزين التذكاري في جمهورية التشيك أو متحف المقاطعة 6 في جنوب أفريقيا)، واللوحات التذكارية، وتحويل مراكز تعذيب سابقة إلى ساحات للتذكر (مثل موقع تيول سليتغ في كمبوديا)، والجدران التذكارية (مثل جدار مايا لينز التذكاري عن حرب فيتنام في واشنطن) وجهود أخرى تهدف إلى إثارة التذكر والنقاش حول الماضي.
وتشرح مارغريت فيتلوفيتز دور النصب التذكارية بكونه يتمثل في “استعادة الأماكن التي تمت سرقتها، وإعادة تخصيص الأماكن العمومية وتحويل مراكز الموت إلى أماكن يتردد فيها صدى الحياة”. ففي تشيلي، يقع النصب التذكاري الخاص بالمعتقلين المختفين والمعدمين السياسيين في مقبرة سانتياغو العامة، وهو مهدى إلى أرواح الذين قتلوا أو اختفوا خلال الحكم العسكري. وقد أصبح موقعا مهما للقاء ومعلما بارزا من معالم سانتياغو. وفي الاتحاد السوفيتي سابقا، عملت منظمة حقوق الإنسان “ميموريال” على تشجيع استعادة الذاكرة عبر تجميع الوثائق وإقامة المواقع التذكارية…
إن بناء نصب تذكاري هو عملية تنطوي في طياتها على عناصر السياسة والتاريخ والجمالية. وتعتبر النصب التذكارية، من حيث كونها ممارسات في عملية بناء الأمة، جزءا من بيئة مادية واجتماعية يمكن أن تساعد في تحديد وبناء مفهوم مشترك للتجربة الجماعية والخيال والنظرة الذاتية لشعب من الشعوب. وتتفاعل جميع النصب التذكارية مع الأشخاص الذين يشتركون في إقامتها. وليس لها أية سلطة ذاتية، وإنما يتم تنشيطها من قبل الناس، وهي تتوقف في تأثيرها النهائي لإحياء الذكرى على الناس الذين يأتون لزيارتها.
النصب التذكارية كأسلوب للبحث عن الحقيقة :
النصب التذكارية موجودة تقريبا في جميع المجتمعات الإنسانية. وقد جرت العادة على أن تتخذ شكل تماثيل ولوحات تذكارية تخلد أبطال الحرب أو متاحف وطنية كبيرة تحتفي بالتراث الثقافي لأمة من الأمم. غير أن النصب التذكارية أصبحت تفهم أكثر فأكثر على أنها تحد – أكثر من كونها احتفاء – للرواية الرسمية كما تقدمها الدولة. وسواء تعلق الأمر بتذكر انتهاكات حقوق الإنسان في ظل الديكتاتوريات بالمجتمعات المتحولة إلى الديمقراطية مثل الأرجنتين، أو تخليد ذكرى ضحايا نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا، أو مكافحة ذكرى الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة، فإن مواجهة الماضي بإقامة نصب تذكارية أصبح ينظر إليها أكثر فأكثر على أنها عنصر أساسي لتحقيق الديمقراطية في الحاضر والمستقبل.
كما أن النصب التذكارية تخلق ساحة عامة لاستمرار الحوار. وقد أدى التركيز على الحوار بالناقد جيمس يونغ إلى تفضيل عملية إحياء الذكرى على النصب التذكاري نفسه. ويقول في هذا الصدد: “إن أفضل نصب تذكاري ألماني عن الحقبة الفاشية وضحاياها قد لا يكون نصبا تذكاريا واحداً بالمرة، ولكنه مجرد الحوار الذي لا ينتهي حول أي ذاكرة يتعين الحفاظ عليها، وكيف يمكن ذلك، وباسم من، ولأية غاية” . وتتمثل فائدة الحوار حول الماضي في كونه ضمانا بعدم نسيان – ما قد يساهم في تكرار ما جرى – وأيضا ضمانا ضد خلق رواية رسمية تتبناها الدولة وتروج لأجندة سياسية معينة. لذا فإن النصب التذكارية يقصد منها أن تنتج هذا الحوار، وقد تفشل إذا لم تقم بذلك. فليس هناك شيء أكثر عدمية من تمثال، مثلا، لم تعد تربطه أي علاقة بالموضوع.
النصب التذكارية كجبر رمزي للأضرار[3] :
يمكن أن تكون النصب التذكارية بمثابة تعويض رمزي للضرر. وقد أشار تقرير الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا إلى هذه الوظيفة، مركزا على الأهمية الاجتماعية المرتبطة بها:
” … التوصيات الواسعة تشمل تقديم تعويض رمزي للضحايا، من قبيل استمرار الاعتراف العمومي والرسمي من خلال المآثر، والنصب التذكارية الحية، وأيام التذكر وما إلى ذلك. علاوة على ذلك … فهناك وسائل مؤقتة للتعويض تم توفيرها … مثلا، في الحالات التي …تم فيها اكتشاف جثث ضحايا الناشطين الذين قتلتهم قوات الأمن وقامت بدفنهم سرا، فإن اللجنة تقوم بمساعدة العائلات من خلال إقامة مدافن رسمية ومكرمة. وتؤكد حالات التعويض هذه على أهمية وضع الحالات الفردية في سياق اجتماعي وسياسي أوسع”.
ويمكن للتعويض الرمزي إتاحة الدخول في حوار مع أشكال قديمة ومتجاوزة حاليا من أصناف إحياء الذكرى. ففي اليونان، على سبيل المثال، أقيمت نصب تذكارية تتضمن أسماء الشيوعيين الذين قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية قرب اللوحات التذكارية القديمة والأكثر تقليدية، والتي سقطت منها عن قصد أسماء الشيوعيين الذين قتلوا.
وقد تصلح النصب التذكارية أيضا لتحفيز التغيير المجتمعي، باعتبارها عاملا لإثارة حوار ضروري لبناء واستدامة مجتمع سلمي وديمقراطي عقب فترات طويلة من العنف والقمع. وقد ساعد إنشاء متحف المقاطعة 6 بجنوب أفريقيا – الذي بني في التسعينيات تخليدا لذكرى مجموعة من الطبقة العمالية جرفت مساكنها – على إطلاق حوار حول حقوق الأرض التي ربما تؤدي إلى إجراء إصلاحات قانونية واسعة.
النصب التذكارية كالتزام حضاري :
تلعب النصب التذكارية دوراً حضارياً هاماً يمكن أن يكون مكملا، لكن مختلفا للغاية عن الإجراءات القانونية المعقدة وبيروقراطية من قبيل إجراء محاكمات، أو سن سياسات عمومية جديدة، أو إنشاء لجنة للحقيقة. ويمكن للمطالبة تخصيص مكان عمومي متاح للجميع قصد إطلاق حوارات في المجتمع المدني أن تلقى أحيانا صدى إيجابيا لدى المواطنين أكثر مما تفعله التحاليل المطولة، الغارقة في لغة الأرقام، عن انتهاكات حقوق الإنسان. صحيح أن التحاليل الحسابية لها أهمية واضحة (ليس آخرها مساهمتها في إتاحة فهم أكبر لأشكال الصراع ونتائجه)، غير أن الطبيعة الموضوعية للأرقام والحقائق تتجاهل التعقيد العاطفي العميق الذي يشكل صلب العدالة الانتقالية. ويتعين ألا ينظر إلى “الذاكرة” في شكلها الأكثر بساطة باعتبارها استراتيجيات معقدة تهدف إلى المحاسبة لا غير.
إن نجاح نصب تذكاري يمكن أن يقاس بردود الفعل التي يخلفها من حيث النقاش الحضاري، والمفعول الحواري، والقيم التربوية، وتجاوب المجموعات المعنية، بما في ذلك الضحايا وعائلاتهم، ومرتكبو الانتهاكات، والمجتمع المدني (المدارس، الفنانون، المنظمات غير الحكومية)، والحكومة وحتى السياح. وعلى أية حال، فسواء كان النصب التذكاري يولد تفاعلا ماديا بين الزائر والنصب أو تفاعلا فرديا ذاتيا بين الزائر وزائرين آخرين أو مع مجموعته، فإن النصب التذكارية لديها القدرة على تشجيع الالتزام مع الذاكرة.

[1] Vamik.D.Volkan ,What Some Monuments tell us about :Mourning and Forgiveness , Taking Wrongs Seriously :Apologies and Reconciliation ,Edited by Elazar Barkan and Alexander Karn ,Stanford University Press ,2006,P.115-130 .

[2] Vamik.D.Volkan ,What Some Monuments tell us about :Mourning and Forgiveness , Taking Wrongs Seriously :Apologies and Reconciliation,Edited by Elazar Barkan and Alexander Karn ,Stanford University Press ,2006,P.115-130 .

[3] انظر تقرير الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا في : www.ictj.org