1- إن الهدف الأساسي لأي سياسة من سياسات التعويض هو إحقاق العدالة للضحايا. ويجب أن يفهم مصطلح “العدالة” في هذا الصدد بشكل واسع بإدماج عناصر الاعتراف بالضحية ورد كرامته وإعادة بناء الثقة بين المواطنين بعضهم البعض، وبين المواطنين ومؤسسات الدولة، وإرساء التضامن الاجتماعي. ولكن عند اختيار سياسة للتعويضات أو إقرارها، يمكن لعدة عوامل أن تؤثر في الاختيارات. ومن بينها: الموارد الاقتصادية المتوفرة والالتزام السياسي (الوطني والدولي)؛ وعدد الضحايا وفئات الضحايا من حيث العرق أو الانتماء الإثني أو الجنس الخ، وحجم التعاطف الاجتماعي مع ضحايا و/أو مرتكبي الأفعال، وسياق النزاع من حيث هل هو حادث جسيم وحيد أم نزاع مزمن دام عدة سنوات، نوع انتهاك حقوق الإنسان الذي تم ارتكابه (مثل، مصادرة الأراضي أو النفي أو الترحيل القسري أو الاعتداء الجسدي) والتزامات وجهود المجتمع المدني الوطني والدولي.
وقد اختلف نطاق جهود التعويض الماضية بشكل كبير، من مئات الآلاف (في ألمانيا) إلى 280 فقط في البرازيل. غير أن أحد البرامج قد يكون له نطاق واسع ولكن يفشل رغم ذلك في أن يكون كاملا أو شاملا. وعلى سبيل المثال، تم إقصاء ضحايا التعذيب من نطاق برامج التعويضات في تشيلي. ومن الأفضل بالطبع تعويض أقصى ما يمكن من ضحايا فئات الجرائم / الأضرار بهدف توفير استجابة شاملة وكاملة قدر الإمكان.
وأمام الانتشار الواسع لانتهاكات حقوق الإنسان، أصبح لزاما على الحكومات ليس فقط التصدي لمرتكبي هذه التجاوزات بل أيضا ضمان حقوق الضحايا. وبوسع الحكومات أن تهييء الظروف الملائمة لصيانة كرامة الضحايا وتحقيق العدل بواسطة التعويض عن بعض ما لحق بهم من الضرر والمعاناة. وينطوي مفهوم التعويض على عدة معان من بينها التعويض المباشر (عن الضرر أو ضياع الفرص)، رد الاعتبار (لمساندة الضحايا معنويا وفي حياتهم اليومية) والاسترجاع (استعادة ما فقد قدر المستطاع) ،ويمكن التمييز بين التعويضات بحسب النوع (مادية ومعنوية) والفئة المستهدفة (فردية / جماعية). ويمكن أن يتم التعويض المادي عن طريق منح أموال أو حوافز مادية، كما يمكن أن يشمل تقديم خدمات مجانية أو تفضيلية كالصحة والتعليم والإسكان. أما التعويض المعنوي فيكون مثلا عبر إصدار اعتذار رسمي، أو تكريس مكان عام (مثل متحف أو حديقة أو نصب تذكاري) أو إعلان يوم وطني للذكرى[1].
أما الأهداف المتوخاة من تدابير التعويض (سواء كانت مادية أو معنوية) فهي عديدة ومتنوعة ومن بينها الإقرار بفضل الضحايا جماعات وأفراداً، وترسيخ ذكرى الانتهاكات في الذاكرة الجماعية، تشجيع التضامن الاجتماعي مع الضحايا، إعطاء رد ملموس على مطالب رفع الحيف وتهيئة المناخ الملائم للمصالحة عير استرجاع ثقة الضحايا في الدولة. إضافة إلى أن مبدأ التعويضات أصبح إلزاميا بموجب القانون الدولي.
و بالرغم من اختلاف التزامات كل دولة في تفاصيلها الدقيقة تبعا لاختلاف الاتفاقيات التي صادقت عليها، إلا أننا نلاحظ تنامي التوجه نحو إقرار مبدأ إلزامية تعويض ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالنسبة لكافة الدول. ومما يدعم هذه النظرة القائمة على قانون المعاهدات، ممارسات الدول، والتصريحات الدبلوماسية والاجتهاد القانوني، والدور المتنامي للهيئات المشرفة على احترام المواثيق والمحاكم الدولية.وإذا استعرضنا برامج التعويضات المادية التي نفذتها بعض البلدان، نرى أن من بين التجارب التي حظيت باستحسان واسع، تلك التي شهدتها الصين والأرجنتين في عقد التسعينيات[2] .
وسواء منحت للضحايا تعويضات مادية أو لم تمنح، من المهم أن تؤخذ بعين الاعتبار كذلك عدد من الأشكال الإضافية والهامة من أشكال تعويض الضحايا. أولا، قد يكون من المهم في بعض السياقات، بالنسبة إلى حكومة جديدة أن تحاول إعادة الحقوق القانونية إلى الضحايا أو ممتلكاتهم. ومن أمثلة ذلك: إجراءات لمساعدة السكان الذين تم ترحيلهم بالقوة أو الذين سرقت أراضيهم، أو إرجاع حقوق الحرية والمكانة الاجتماعية والجنسية، أو إعادة الإدماج في المناصب السابقة في الوظائف العمومية. وثانيا، قد يكون كذلك من المهم في بعض السياقات وضع برامج خاصة لإعادة تأهيل الضحايا، بما في ذلك المواساة العاطفية والعلاج البدني أو المساعدة الطبية. وثالثا، ثمة مجموعة واسعة من الإجراءات الرمزية لجبر الضرر والتي يمكن أن تؤخذ كذلك بعين الاعتبار، سواء بالنسبة إلى الضحايا بشكل فردي (مثلا، رسائل شخصية للاعتذار من طرف الحكومات التالية، أو مراسيم دفن ملائمة للضحايا القتلى، الخ) أو الضحايا بصفة عامة (مثلا الاعتراف الرسمي بما جرى من قمع في الماضي، أو تخصيص أماكن عامة وأسماء الشوارع أو رعاية المعارض الخاصة أو الأعمال الفنية أو بناء النصب التذكارية العامة والمآثر والمتاحف الخ). وتتضمن إجراءات أخرى للعدالة الانتقالية جوانب جبر الضرر وخاصة إظهار الحقيقة (من خلال لجنة الحقيقة أو تحقيقات رسمية أخرى)، وتوفير الظروف التي تمنع تكرار انتهاك حقوق الإنسان (مثل الإصلاح المؤسسي).
إن فوائد الإجراءات الرمزية هي أنها نسبيا ممكنة التحقيق، ويمكنها أن تصل إلى فئات واسعة وأن تتبنى تعريفات أوسع للضحية ويمكنها أن تشجع الذاكرة الجماعية والتضامن الاجتماعي. أما السلبيات الكامنة فهي أنها لا توفر أي منافع مادية للضحايا. كما أنها في غياب إجراءات تعويضية ملموسة أخرى، قد تترك انطباعا مؤلما بأنها قدمت كتعويض كامل عن المعاناة التي تم التعرض لها.
هناك عدة دروس تستحق الذكر من جهود تعويض الضحايا على الصعيد العالمي،. أولا، ليس هناك شكل واحد باستطاعته ترضيه الضحايا. ونتيجة لذلك، من الأفضل على العموم اختيار وسائل شاملة أو مختلطة تصور الغاية من التعويضات على أنها إحقاق للعدالة متعدد الأوجه وشامل. ولا يتضمن ذلك فقط إجراءات التعويض المختلفة المشار إليها أعلاه، ولكن كذلك إظهار الاهتمام بالضحايا مثل المحاكمات الجنائية ولجان الحقيقة. وثانيا، يجب أن تكون إجراءات التعويض سواء من حيث تبريرها أو إعدادها موجهة نحو المستقبل بدلاً من أن تكون موجهة نحو الماضي. ومعنى ذلك أنها يجب أن ترفع من مستوى حياة الضحايا بأقصى قدر ممكن مع الاعتراف والقبول في الوقت نفسه بأن الترضية الكاملة مستحيلة. وثالثا، من الأفضل بصفة عامة محاولة إقامة توازن بين الإجراءات الفردية والجماعية مع الأخذ بعين الاعتبار نوع العنف الذي ينبغي جبر ضرره والأمور التي يفضلها الضحايا وحاجياتهم وكذا أقاربهم.
وفيما يخص العلاقة بين إجراءات التعويض (ولاسيما إجراءات التعويض المادي) والمصالحة، من المهم الاعتراف أولاً بأن الأغلبية الواسعة من سياقات العدالة الانتقالية تتصف بظروف الفقر والعجز المادي. وفي هذه السياقات، إذا منحت التعويضات دون الاستناد إلى مبادئ أو استعملت كشكل من أشكال الرعاية السياسية، فقد تكون كمصدر لإثارة النزاع والانقسام. ولهذا السبب، فعند تعويض الأفراد وبالخصوص تعويض الجماعات، ينبغي توخي الحذر في عدم إثارة التوترات الموجودة من قبل وأن لا يقصى بشكل مجحف أي من الأطراف التي لها حق بديهي في ذلك. ومن شأن غياب تعويض لصالح الجماعات التي لها مطالب مشروعة واضحة أن يعقد جهود المصالحة ويؤدي إلى نوع من المظالم التاريخية. وحتى إن كان برنامج للتعويض يستند بالكامل إلى مبادئ ويتصف بعدم التحيز، فسيكون ثمة دائما خطر وجود انقسام اجتماعي خصوصا عندما تنعدم إجراءات لضمان الحقوق الأساسية لجميع المواطنين (ولاسيما الحقوق الاجتماعية والاقتصادية).أما من حيث للتعويضات الرمزية، فقد تكون أكثر مدعاة إلى المصالحة عندما تكون ثمرة لعملية تشاور ونقاش عامين وعندما يكون الغرض منها علاج المظالم،وعندما تسعي إلى الإدماج بدلا من الانقسام أو التفاخر[3].
تحديات التصميم والإدارة: التعويضات المادية[4] :
هناك تحديات كبيرة أخرى تواجه برامج التعويضات المادية ومن بينها ضرورة تحديد أنواع الأضرار الممكن التعويض عنها، سواء أكانت ذات طبيعة اقتصادية أو جسدية أو نفسية، وتحديد طبيعة وقيمة الحجج الواجب الإدلاء بها من طرف كل مستفيد محتمل، وما إذا كان التعويض يقوم على أساس الضرر أو الحاجة أو كليهما. ومن التحديات كذلك كيفية تقدير حجم الضرر (مثل تحديد مبلغ التعويض المناسب لمن فقد البصر أو تعرض للاغتصاب أو عذب نفسيا) وإيجاد الموارد لتمويل البرنامج على اعتبار أنه سيلاقي في أغلب الحالات منافسة من برامج اجتماعية أخرى خاصة في ظروف قلة الموارد، ناهيك عن كون المنح الدولية لا تعطى غالبا في غياب توفير مساهمات مالية محلية مهمة. ينبغي كذلك تحديد مبلغ التعويض ومعرفة ما إذا كان كل فرد أو جماعة سيتقاضون نفس قيمة التعويض مهما اختلفت حالاتهم، وكذا كيفية توزيع التعويضات (مبالغ مالية تصرف جملة واحدة أم في شكل دفعات منتظمة، من هي الجهة التي تقوم بذلك في الحالتين). ومن الضروري كذلك معرفة المرحلة الزمنية المشمولة ببرنامج التعويض ومدى تأثير الأحكام المدنية ومنح التأمين وغيرها من المصادر المستقلة المانحة للمساعدات المالية على إلزامية استفادة المعني بالأمر من حملة التعويضات عن الضرر أو على قيمة التعويض. كما يجب التحقق من إمكان وجود سبيل لإشراك الجهة المستفيدة من انتهاكات حقوق الإنسان أو مرتكبيها في تمويل برامج التعويضات.
وإذا استعرضنا برامج التعويضات المادية التي نفذتها بعض البلدان، نرى أن من بين التجارب التي حظيت باستحسان واسع، تلك التي شهدتها الصين والأرجنتين في عقد التسعينيات.
أشكال إضافية من التعويض[5] :
سواء منحت للضحايا تعويضات مادية أو لم تمنح، من المهم أن تؤخذ بعين الاعتبار كذلك عدد من الأشكال الإضافية والهامة من أشكال تعويض الضحايا. أولا، قد يكون من المهم في بعض السياقات، بالنسبة إلى حكومة جديدة أن تحاول إعادة الحقوق القانونية إلى الضحايا أو ممتلكاتهم. ومن أمثلة ذلك: إجراءات لمساعدة السكان الذين تم ترحيلهم بالقوة أو الذين سرقت أراضيهم، أو إرجاع حقوق الحرية والمكانة الاجتماعية والجنسية، أو إعادة الإدماج في المناصب السابقة في الوظائف العمومية. وثانيا، قد يكون كذلك من المهم في بعض السياقات وضع برامج خاصة لإعادة تأهيل الضحايا، بما في ذلك المواساة العاطفية والعلاج البدني أو المساعدة الطبية. وثالثا، ثمة مجموعة واسعة من الإجراءات الرمزية لجبر الضرر والتي يمكن أن تؤخذ كذلك بعين الاعتبار، سواء بالنسبة إلى الضحايا بشكل فردي (مثلا، رسائل شخصية للاعتذار من طرف الحكومات التالية، أو مراسيم دفن ملائمة للضحايا القتلى، الخ) أو الضحايا بصفة عامة (مثلا الاعتراف الرسمي بما جرى من قمع في الماضي، أو تخصيص أماكن عامة وأسماء الشوارع أو رعاية المعارض الخاصة أو الأعمال الفنية أو بناء النصب التذكارية العامة والمآثر والمتاحف الخ). وتتضمن إجراءات أخرى للعدالة الانتقالية جوانب جبر الضرر وخاصة إظهار الحقيقة (من خلال لجنة الحقيقة أو تحقيقات رسمية أخرى)، وتوفير الظروف التي تمنع تكرار انتهاك حقوق الإنسان (مثل الإصلاح المؤسسي).
إن فوائد الإجراءات الرمزية هي أنها نسبيا ممكنة التحقيق، ويمكنها أن تصل إلى فئات واسعة وأن تتبنى تعريفات أوسع للضحية ويمكنها أن تشجع الذاكرة الجماعية والتضامن الاجتماعي. أما السلبيات الكامنة فهي أنها لا توفر أي منافع مادية للضحايا. كما أنها في غياب إجراءات تعويضية ملموسة أخرى، قد تترك انطباعا مؤلما بأنها قدمت كتعويض كامل عن المعاناة التي تم التعرض لها.

[1] انظر : Tina Rosenberg, and A. Boraine, J. Levy & R. Scheffer (eds.), Dealing with the Past : Truth and Reconciliation in South Africa, 1994, p. 66.

[2] انظر : بابلو دي جريف ، جهود التعويضات من المنظور الدولي مساهمة التعويضات في تحقيق العدالة غير الكاملة ( نيو يورك : المركز الدولي للعدالة الانتقالية ، 2004 ) .

[3] بابلو دي جريف ، جهود التعويضات من المنظور الدولي مساهمة التعويضات في تحقيق العدالة غير الكاملة ( نيو يورك : المركز الدولي للعدالة الانتقالية ، 2004 ) .وانظر : د. رضوان زيادة، أهمية احترام حقوق الضحايا عند الحديث عن المصالحة الوطنية ، الحياة ،30/4/2006 .

[4] انظر :  www.ictj.org

[5] انظر : بابلو دي جريف ، جهود التعويضات من المنظور الدولي مساهمة التعويضات في تحقيق العدالة غير الكاملة ( نيو يورك : المركز الدولي للعدالة الانتقالية ، 2004 ) .