د.رضوان زيادة 

رئيس الهيئة السورية للعدالة الانتقالية 

الرحمة لأرواح شهداء سورية

والشفاء لجرحاها

والنهاية لظلمها وليلها الذي طال

في بداية عام ٢٠١٢ أعلن عن ولادة جمعية عائلات شهداء الثورة السورية من هنا من استانبول ، كفكرة تقوم على جمع الضحايا وتقوية حضورهم وجعلهم صوتا ينطق بالعدالة والمحاسبة ، بعد أن كاد صوتهم يختفي بسبب طول الصراع وازدياد عدد الضحايا ، لكن كل شهيد يسقط في كل لحظة يذكرنا بواجبنا تجاهه وتجاه الوطن الذي استشهد من أجله أو قاتل من أجل حريته فاستشهد دون ذلك.

 تصاعدت المأساة السورية ، وما يجري في حلب اليوم من مطر لا يتوقف لبراميل الموت يكشف حجم الخراب الذي يتعمد الأسد أن يترك سورية لنا بعده : أرض يباب ، مجتمع ممزق، انهيار اقتصادي، شعب لاجئ أو نازح ، تاريخ مدمر ، والأخطر من ذلك كله دمار كامل لفكرة الحق في الحياة عبر إشاعة القتل العشوائي واعتماد سياسات قتل السوريين بالكيماوي وآخرها الجوع .

سيتذكر المؤرخون الثورة السورية بكثير من الأوصاف والحوادث التي انفردت بها عن غيرها من الثورات في العالم ، وهذا يعود في جزء كبير منه الى فرادة نظام الاسد في الوحشية والقتل ، وفرادة الشعب السوري في التصميم بالتخلص من نظام الاسد مهما كان الثمن.

 فتعددت أنواع الموت في المعتقلات والسجون الأسدية لكن أسوأها هو الموت تحت التعذيب لأنه الأكثر حطا بالكرامة الإنسانية وإذلالا لها عبر ممارسة السادية حتى الموت ، والاسوأ من ذلك ان التعذيب مورس ليش بشكل منهجي ضد الذكور من البالغين فقط، وإنما ضد الإناث والأطفال فحالة حمزة الخطيب وتامر الشرعي تقول الكثير عن وحشية الأسد وزبانيته ، ويزداد الرقم يوما بعد يوم وفي كل مرة أقرأ عن حالة وفاة تحت التعذيب في سجون الاسد ازداد اشمئزازا ضد الأسد ونظامه في استعادته عصور القرون الوسطى في التعذيب وممارستها ضد الشعب السوري يوميا خلال ثورته

 لكن الأسوأ من ذلك حصل وهو التجويع حتى الموت كما وجدنا يوميا في حالات في مخيم اليرموك والمعضمية ، نجد أطفالا بعمر الورود والزهور تذبل رويدا رويدا حتى تنطفأ ، العار كله ليس للأسد فحسب وإنما للمجتمع الدولي الذي سمح لذلك بالحدوث، لم نجد حتى ضغطا سياسيا حقيقيا لوقف هذا العار الذي سيجللنا جميعا ، ومن الصعب على ذاكرتنا نسيانه ، او محاولة التذرع بالنسيان ، فسورية بلد الخيرات والحضارات يموت فيها السوريون والفلسطينيون بسبب حصار الجوع من قبل مجموعة حاقده ما انتمت يوما لسورية او حتى استحقت العيش فيها ، وما انتسبت يوما للحضارة او مرت بها، إنها تنتمي الى عصور ما قبل الحضارة في الوحشية والدموية

عندما خرج محمود الجوابرة وغياث مطر وحمزة الخطيب وتامر الشرعي وطارق الأسود وغيرهم كثيرون جمعتهم البراءة والإرادة في النضال ضد نظام دكتاتوري ، لم يكن أحد يتخيل أن مصير الموت سيكون خيارهم الوحيد ، لكنهم مع استشهادهم أناروا لنا شعلة تضيئ مستقبلنا ووضعوا علينا مسؤولية إن لا تنطفأ هذه الشعلة بذات القيم والمبادئ التي استشهدوا من أجلها.

 عائلات كل هؤلاء الشهداء يجتمعون اليوم من أجل تأسيس هذه الجمعية كي تكون صوت الضحايا المطالب بالحق والإنصاف، كي تكون صوت العدالة في مفاوضات جنيف وما بعدها ، كي تقول للسوريين وللعالم أنه لا يمكن قب الصفحة بسهولة ، إذ لابد للمحاسبة و لإنصاف الضحايا وتعويضهم ، لابد أن يكون لهم دور في المسار السياسي أو في أي إطار للحل السياسي .

إذ غالبا ما تنسى قضيتهم في إطار المفاوضات السياسية ويتم نسيانها على مذبح التسويات ، ويتم تعمد نسيانها مرة أخرى بهدف عدم دفع التكلفة الضرورية لحساب الأطراف المختلفة.

نقول اليوم لن تكون هناك تسوية في سورية اليوم دون ان يكون لعائلات الضحايا الصوت الأبرز في دورهم المطالب بالعدالة والمحاسبة والتعويض .