2014-02-10
د. رضوان زيادة

عندما حصلت سوريا على استقلالها عام 1947 كان طموح آبائها المؤسسين إقامة دولة قائمة على العدل والإنصاف، وقد تجلى ذلك في ديباجة دستور عام 1950 التي هي جزء لا يتجزأ من الدستور، فقد نصت على: إن دستور عام 1950 كان الدستور الوحيد في التاريخ السوري الذي كتب من خلال جمعية تأسيسية دستورية منتخبة، ولذلك هو يعكس بحق اهتمامات الطبقة السياسية التي دافعت من أجل كتابته، والأهم أنه يعكس اهتمام الشعب الذي انتخب أعضاء الجمعية الدستورية.

لم يعش هذا الدستور طويلا للأسف بسبب الانقلابات العسكرية التي تعاقبت، والتي حملت معها إلى الحكم موجة متتالية من العسكريين، يجدون في القانون والقضاء حدا من صلاحياتهم المطلقة، وكان وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 تتويجا لانهيار فكرة المؤسسات والقانون أمام سلطة العسكر، ولذلك ليس خافيا أن يبقي حزب البعث الحاكم الإعلان عن حالة الطوارئ طوال فترة بقاءه في الحكم أي منذ عام 1962 وحتى عام 2011 عندما رفعت “صوريا” تحت الضغوط الشعبية والمظاهرات السلمية في الثورة السورية.

وهكذا بقيت سوريا تحكم تحت حالة الطوارئ لمدة تفوق ٤٩ عاما، وهي أطول فترة تعلن فيها حالة الطوارئ في بلد ما في التاريخ، ومن شأن هذه النقطة فقط أن تكشف مسلمة حقيقة وهي استخفاف حزب البعث ومن بعده عائلة الأسد الحاكمة بفكرة القانون كفكرة مؤسسة لكيان الدولة السورية، كما تجلت في دستور عام 1950 ، وهي بالأساس مسلمة قامت عليها الحضارة الإسلامية “فالعدل أساس الحكم”، والله تعالى يقول: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى]، فالعدل يجب أن يتحقق في كل الظروف وفي كل الحالات حتى ولو كانت حالة حرب أو نزاع..

مع وصول عائلة الأسد إلى الحكم انعكست الكراهية لفكرة القانون في كل المجالات السياسية والقانونية، من خلال الإبقاء على العمل بحالة الطوارئ دون فتح نقاش حول جدوى ذلك، بل حتى دون الحاجة إلى العودة للبرلمان (مجلس الشعب) لتجديدها كما الحال لدى كل بلدان العالم، وتجلى ذلك أيضاً في كتابة الدستور عبر لجنة “بعثية” طلب منها أن تفصل دستورا ( دستور عام 1973) على مقاس الأسد كي يكون الحاكم المطلق بصلاحيات تنفيذية مطلقة وتشريعية؛ وليتم تدمير استقلالية السلطة القضائية بشكل دائم فتخضع للسلطة التنفيذية في كل شؤونها وأجهزتها، وبلغ الاستخفاف مداه الأقصى في المحكمة الدستورية التي غالبا ما تكون أعلى سلطة قضائية في البلاد، وتكون رمزا لسيادة العدل وقضاتها رمزا للنزاهة والإنصاف، حيث بقيت هذه المحكمة عشرات السنين دون تعيين أعضائها أو حتى إعطائها مقرا يليق بها وبصلاحياتها، فعلى مدى سنوات حكم عائلة الأسد لسوريا (أكثر من 40 عاما) لم تصدر هذه المحكمة أي قرار او حكم يعزز صورتها أو هيبتها بوصفها بيت القانون، كما يطلق عليها معظم بلدان العالم.

تلك هي صورة مصغرة فقط من انهيار فكرة القانون خلال فترة حكم الأسد، والتي تجد شرحا واضحا لها في ممارسات هذا الحكم مع بداية اندلاع الثورة السورية وانطلاق المظاهرات السلمية المطالبة بتأسيس دولة تقوم على إحقاق العدل والقانون، فالممارسات التي قادت إلى هذا الحجم الكبير من الدمار والضحايا تعكس بكل تأكيد أن عائلة الأسد لا تفهم من الحكم إلا أنه أداة للسيطرة والتحكم بالشعب.

لقد أطلقت هذه الممارسات آلة قتل يومية لم تتوقف لحظة واحدة، وبينما نحن نتكلم هنا تصب آلة القتل الأسد براميل حقدها على حلب وداريا ودوما وغيرها لتحصد أرواح المئات من المدنيين من النساء والأطفال، دون أن تكترث ولو للحظة واحدة بشرعية هذا الاستخدام وأهدافه.

وقد فتحت عائلة الأسد سجونها وأقبية أجهزتها الأمنية كي تتحول إلى مقرات تعذيب جماعية يموت داخلها المئات تحت التعذيب يوميا، وقد أظهرت الصور المسربة توثيق مقتل 11 ألف ضحية تحت التعذيب في سجون الأسد في رقم لا يشكل صدمة لكل سوري فحسب، بل ولكل إنسان يعتبر أن الحضارة البشرية قد تطورت لدرجة تمنع وتحرم التعذيب، باعتباره أشد الممارسات حطا من الكرامة الإنسانية وامتهانا لها، فكم حجم الألم الذي تحملته هذه النفوس البشرية على يد جلادها قبل أن تذهب إلى بارئها، وكم حجم الألم الذي تعيشه الأسرة وهي تتلقف خبر اعتقال ابنها وتسمع قصص الرعب والتعذيب في سجون الأسد، ثم في النهاية يأتيها الخبر بوفاته تحت التعذيب.

منذ يومين فقط كانت قصة قتل الشاب وسام فايز سارة الذي لم يتخط 27 ربيعا، وأعرفه حق المعرفة، حيث قضى تحت التعذيب في فرع الأمن العسكري .

لا يمكن لهذه الممارسات أن تستمر، ولذلك ستطلق الهيئة السورية للعدالة الانتقالية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني السوري حملة دولية من أجل التركيز على ظروف الاعتقال السياسي في سجون الأسد وفضح ممارسات التعذيب القاتلة.

وعلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يقوما بشيء ما لوقف ما اعتبرته البشرية أشد وأسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان بحق أخيه الإنسان فما بالك إذا كان مواطنه، ولذلك صدرت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التعذيب، والتي –وللمفارقة- وقعت عليها حكومة الأسد، لكنها لم تلتزم بأي من بنودها.

إن عائلة الأسد “تنفرد” اليوم بإنجاز تاريخي بقتل هذا العدد الكبير من المواطنين السوريين تحت القصف أو تحت التعذيب، ولقد عدت منذ يومين من جنوب أفريقيا في زيارة تهدف للاطلاع على تجربة هيئة الحقيقة والمصالحة فيها، والتي أنشأت بعد تفكيك نظام الفصل العنصري ودخول جنوب أفريقيا في مرحلة التحول الديمقراطي بعد عام 1994.

لقد كان نظام الفصل العنصري أسوأ نظام طورته البشرية يقوم على التمييز والعنصرية بما يترك أثرا استثنائيا على المستوى القانوني والنفسي والاقتصادي والسياسي للمواطنين، ومع ذلك كان يقوم على فكرة احترام حق المواطن في الحياة، فالمجزرة الوحيدة التي ارتكبها نظام الفصل العنصري كانت في عام 1969 حيث أطلقت قوات الشرطة النار على المتظاهرين السود السلميين وقتلت ما يقارب 69 شخصا وجرحت المئات، فكانت المجزرة علامة فارقة في تاريخ جنوب أفريقيا، حيث دفعت المؤتمر الوطني الإفريقي برئاسة مانديلا في ذلك الوقت إلى إعلان الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة، بعد فشل كل الوسائل الأخرى لمقاومة نظام الفصل العنصري (أبارتهايد).

تبدو القصة ذاتها التي دفعت الثورة السورية إلى حمل السلاح بعد فشل كل وسائل كل التغيير بالمظاهرات والاحتجاجات السلمية، لكن مع الفارق أن ضحايا الثورة السورية في تلك الفترة كان يفوق عن ٦ آلاف ضحية حتى سبتمبر 2011 ، أي خلال 7 أشهر تقريبا بينما عدد ضحايا نظام الفصل العنصري على مدى 40 عاما لم يجاوز 10 آلاف ضحية. والآن نتحدث في سوريا عن سقوط أكثر من 150 ألف ضحية جراء الاستخدام المكثف للطيران بالبراميل المتفجرة والقصف العشوائي واستخدام صواريخ سكود، ومنهم على الأغلب أكثر من 20 ألف ضحية تحت التعذيب.

هذه الأرقام تدلنا نوعا ما على حجم المعاناة والمأساة التي يعيشها السوريون يوما بيوم، وتجعلنا نتخيل صعوبة التحول أو المصالحة في المستقبل؛ بسبب حجم الجرائم المرتكبة واتساعها.

إن الهيئة السورية للعدالة الانتقالية والتي أنشأت بقرار من الحكومة المؤقتة بهدف وضع البرامج والسياسات الخاصة بالمحاسبة والعدالة الانتقالية، هي هيئة مستقلة بالرغم من قرار تشكيلها، ولا يمكن لهيئة كهذه إلا أن تكون مستقلة، لا تخضع في قراراتها لأي تأثير سياسي يحد من صلاحياتها أو يوجه قراراتها.

وإن أول البرامج التي نعمل عليها، هو البحث في طرق ضمان المحاسبة المجرمين الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري، إذ من المستحيل أن تتمكن سوريا من فتح صفحة جديدة للمستقبل دون محاسبة لكل هذه الجرائم المرتكبة، فعدم المحاسبة يفتح الباب واسعا أمام الانتقام، وانتشار ثقافة الإفلات من العقاب تعزز استمرار دورة العنف، وتمنع تأسيس حكم جديد قائم على العدل والمساواة، ولذلك ومنذ اليوم الأول بدأت الهيئة بالتفكير في الخيارات الممكنة أمام السوريين من أجل ضمان تحقيق المحاسبة، فمع كل تقرير حقوقي جديد يبرز السؤال: أين المحاسبة؟ ومع كل كشف عن ضحايا جدد أو فظاعة ارتكبت يظهر السؤال مجددا: هل من المعقول أن نجد كل هذه الجرائم وأن لا يكون هناك تحقيق جنائي أو محاسبة للمتركبين والفاعلين؟

تبدو الإجابة بسيطة، لكنها مؤلمة، وهي أنه لا توجد محكمة يمكن من خلالها إحالة كل الجرائم للتحقيق فيها والمحاسبة عليها، ولذلك يمكن القول أن هناك عدة احتمالات:

الأول اللجوء إلى القضاء السوري الوطني أو المحلي كما يطلق عليه، وهو كما يتابع السوريون يوميا فشل فشلا ذريعا في ضمان المحاسبة، حيث لم يفتح تحقيقا واحدا حتى ولو بحق رجل شرطة وليس رئيس فرع أمني أو جهاز حكومي، ولم تستطع المحاكم السورية أو المدعي العام الذي لا يعرف كل السوريين اسمه أو صفته رغم أنه رمز وطني للعدالة الوطنية، أن يفتح تحقيقا في أي من الانتهاكات الخاصة بالقتل خارج نطاق القضاء أو التعذيب أو العنف الجنسي أو الاعتقال السياسي أو القتل الجماعي، وهي كلها تدخل في باب الجرائم ضد الإنسانية.

لقد فشل القضاء السوري فشلا ذريعا في ضمان حد أدنى من المحاسبة وأعتقد أن ذلك كان نتيجة طبيعية لانهيار فكرة القانون، في عقلية أسرة الأسد الحاكمة.

الخيار الثاني، هو اللجوء إلى المحاكم الدولية وخاصة محكمة الجنايات الدولية، والإجابة التي أصبحت معروفة لكل سوري، أن سوريا دولة ليست موقعة على اتفاق روما الأساسي المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية، وبالتالي فالطريقة الوحيدة لكي يستطيع الإدعاء العام في محكمة الجنايات الدولية فتح تحقيق في الجرائم التي حدثت في سوريا هي الإحالة من قبل قرار في مجلس الأمن الدولي، تماماً كما جرى في دارفور وهو الأمر الذي تقف روسيا ضده بقوة وتمنع الإحالة هذه باستخدامها لحق النقض، وبالتالي أغلق هذا الخيار أمام السوريين حتى تتغير سياسات مجلس الأمن، ولا تبدو أي مؤشرات على هذا التغيير خاصة من قبل الجانب الروسي.

الخيار الثالث، هو ما يسمى المحاكم المختلطة أي أن تكون محكمة سورية وبقضاة سوريين لكن بوجود قضاة دوليين، وهذا الخيار يبدو الأقرب والأفضل بالنسبة للسوريين، وهو ما نسعى من خلال الهيئة الى تحقيقه وتنفيذه، وتتعدد أشكال المحاكم الدولية المختلطة وهي بالعموم تكون نتاج مفاوضات بين حكومة البلد وبين الأمم المتحدة، النموذج الذي نسعى إلى بناءه في سوريا هو شبيه بنموذج المحكمة الدولية في سيراليون، ولكن مع اتباع الخطوات ذاتها التي قامت على أساسها محكمة كمبوديا، فمحكمة كمبوديا الدولية المختلطة هي المحكمة الوحيدة التي أنشأت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في حين أن كل المحاكم الدولية بما فيها المحكمة الخاصة بلبنان أنشأت بقرار من مجلس الأمن الدولي. ونحن نناقش الآن الخطوات التي على الحكومة المؤقتة اتباعها من أجل تأسيس محكمة مختلطة، عبر تعاون وثيق من قبل الهيئة السورية للعدالة الانتقالية والقضاة والمحامين وناشطين حقوق الإنسان والضحايا، الذين يشكلون اليوم ما يسمى صوت العدالة الغائب في الأزمة السورية.

لقدكشفت مفاوضات جنيف عن فقر مخز في لغة العدالة والمحاسبة، ليس من قبل النظام فقط وهو معروف بذلك ولسنا بحاجة إلى تأكيده، وإنما من قبل المعارضة التي افتقر خطابها ومفرداتها لأي تأكيد على العدالة أو المحاسبة، ولم تقدم أي تصور يحصل من خلاله السوريون على الضمانات الكافية لإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.

يجب أن تكون العدالة البوصلة التي نتحرك من خلالها ، واللغة التي نختار من قاموسها كلماتنا، فالسياسة كما طرحت في جنيف لا تعني السوريين إلا بقدر ما تعطيه من ضمانات محاسبة على ما جرى في الماضي، وضمانات بأن لايتكرر ذلك في المستقبل. وهو ما فشل الائتلاف فشلا ذريعا في أن يعكسه في ممارساته أو خطابه السياسي.

من كتاب “زمان الوصل” – رئيس الهيئة السورية للعدالة الانتقالية

تم نشر المقال في زمان الوصل على الرابط التالي : http://www.zamanalwsl.net/news/46448.html