كلمة الدكتور رضوان زيادة في افتتاح مؤتمر تأسيس قاعدة بيانات شاملة مُوحدَّة لانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا
رئيس الهيئة السورية للعدالة الانتقالية

استانبول – تركيا
06 – 07 شباط / فبراير 2014

عندما حصلت سورية على استقلالها عام ١٩٤٧ كان طموح آبائها المؤسسين إقامة دولة قائمة على العدل والإنصاف وقد تجلى ذلك في ديباجة دستور عام ١٩٥٠ التي هي جزء لا يتجزأ من الدستور ، فقد نصت على أن “ نحن ممثلي الشعب السوري العربي ، المجتمعين في في جمعية تأسيسية بإرادة الله ورغبة الشعب الحرة، نعلن أننا وضعنا هذا الدستور لتحقيق الأهداف المقدسة التالية: إقامة العدل على أسس متينة ، حتى يضمن لكل إنسان حقه، دون رهبة أو تحيز وذلك بدعم القضاء وتوطيد استقلاله في ظل حكم جمهوري ديمقراي حر”.

إن دستور عام ١٩٥٠ كان الدستور الوحيد في التاريخ السوري الذي كتب من خلال جمعية تأسيسية دستورية منتخبة ،ولذلك هو يعكس بحق اهتمامات الطبقة السياسية التي دافعت من أجل كتابته والأهم يعكس الاهتمام الشعبي التي انتخبت أعضاء الجمعية الدستورية، لم يعش هذا الدستور طويلا للأسف بسبب الانقلابات العسكرية التي تعاقبت والتي حملت معها إلى الحكم موجة متتالية من العسكريين الذين يجدون في القانون والقضاء حدا من صلاحياتهم المطلقة ولذلك كان وصول حزب البعث إلى السلطة عام ١٩٦٣ تتويجا لانهيار فكرة المؤسسات والقانون أمام سلطة العسكر ، ولذلك ليس خافيا أن يبقي حزب البعث الحاكم الإعلان عن حالة الطوارئ طوال فترة بقاءه في الحكم أي منذ عام ١٩٦٢ وحتى عام ٢٠١١ عندما رفعت تحت الضغوط الشعبية والمظاهرات السلمية في الثورة السورية ، وهكذا بقيت سورية تحكم تحت حالة الطوارئ لمدة تفوق عن ٤٩ عاما أي ما يقارب النصف قرن ، وهي أطول فترة تعلن فيها حالة الطوارئ في بلد ما في التاريخ، إن ذلك يكشف مسلمة حقيقة وهي استخفاف حزب البعث ومن ثم عائلة الأسد الحاكمة بعدها بفكرة القانون كفكرة مؤسسة لكيان الدولة السورية كما تجلت في دستور عام ١٩٥٠ وهي بالأساس مسلمة قامت عليها الحضارة الإسلامية “فالعدل أساس الحكم” كما في قوله تعالى ” ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى” فالعدل يجب أن يتحقق في كل الظروف وفي كل الحالات حتى ولو كانت حالة حرب او نزاع .

 مع وصول عائلة الأسد إلى الحكم انعكست الكراهية لفكرة القانون في كل المجالات السياسية والقانونية من خلال الإبقاء على العمل بحالة الطوارئ دون فتح نقاش حول جدوى ذلك حتى ودون الحاجة الى العودة الى البرلمان (مجلس الشعب) لتجديدها كما الحال لي كل بلدان العالم، وتجلى ذلك أيضاً في كتابة الدستور عبر لجنة “بعثية” طلب منها أن تفصل دستورا ( دستور عام ١٩٧٣) على مقاس الأسد كي يكون الحاكم المطلق بصلاحيات تنفيذية مطلقة وتشريعية ، وليتم تدمير استقلالية السلطة القضائية بشكل دائم فتخضع للسلطة التنفيذية في كل شؤونها وأجهزتها، وبلغ الاستخفاف مداه الأقصى في المحكمة الدستورية التي غالبا ما تكون أعلى سلطة قضائية في البلاد وتكون رمزا لسيادة العدل وقضاتها رمزا للنزاهة والإنصاف، بقيت هذه المحكمة عشرات السنين دون تعيين أعضائها أو حتى إعطائها مقرا يليق بها وبصلاحياتها، فعلى مدى سنوات حكم عائلة الأسد لسورية على مدى أكثر من أربعين عاما لم تصدر أي قرار او حكم يعزز صورتها أو هيبتها بوصفها بيت القانون كما يطلق عليها معظم بلدان العالم

تلك هي صورة مصغرة فقط من انهيار فكرة القانون خلال فترة حكم الأسد والتي تجد شرحا واضحا لها في ممارسات هذا الحكم مع بداية اندلاع الثورة السورية وانطلاق المظاهرات السلمية المطالبة بتأسيس دولة تقوم على إحقاق العدل والقانون، فالممارسات التي قادت إلى هذا الحجم الكبير من الدمار والضحايا تعكس بكل تأكيد أن عائلة الأسد لا تفهم من الحكم إلا أنها أداة للسيطرة والتحكم بالرغم من رغبات الشعب أو مصالحه، فأطلقت هذه الممارسات آلة قتل يومية لم تتوقف يوما واحدا ، ونحن نتكلم هنا تصب آلة القتل الأسد براميل حقدها على حلب وداريا ودوما وغيرها لتحصد أرواح المئات من المدنيين من النساء والأطفال دون ان تكترث ولو للحظة واحدة حول شرعية هذا الاستخدام وأهدافه، وفتحت عائلة الأسد سجونها ومقرات أجهزتها الأمنية كي تتحول إلى مقرات تعذيب جماعية يموت داخلها المئات تحت التعذيب يوميا وقد أظهرت الصور المسربة توثيق مقتل ١١ ألف ضحية تحت التعذيب في سجون الأسد في رقم لا يشكل صدمة لكل سوري بل ولكل إنسان أصبح يعتبر أن الحضارة البشرية قد تطورت لتمنع وتحرم التعذيب لأنها أشد الممارسات حطا بالكرامة الإنسانية وامتهانا لها ، فكم حجم الألم الذي تحملته هذه النفوس البشرية على يد جلادها قبل أن تذهب إلى بارئها، وكم حجم الألم الذي تعيشه الأسرة وهي تتلقف خبر اعتقال ابنها وتسمع قصص الرعب والتعذيب في سجون الأسد ثم في النهاية يأتيها الخبر بوفاته تحت التعذيب ، ومنذ يومين فقط كانت قصة الشاب وسام فايز سارة ذو ٢٧ ربيعا الذي أعرفه حق المعرفة قضى تحت التعذيب في فرع الأمن العسكري .

لا يمكن لهذه الممارسات أن تستمر ، ولذلك ستطلق الهيئة السورية للعدالة الانتقالية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني السوري حملة دولية من أجل التركيز على ظروف الاعتقال السياسي في سجون الاسد وفضح ممارسات التعذيب القاتلة ، يجب على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يقوم بشيء ما لوقف ما اعتبرته البشرية أشد وأسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان لأخيه الإنسان فما بالك إذا كان مواطنه ، ولذلك صدرت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التعذيب والتي وياللمفارقة وقعت عليها حكومة الأسد لكنها لم تلتزم بأي من بنودها.

في الحقيقة تنفرد اليوم عائلة الأسد بإنجاز تاريخي بقتل هذا العدد الكبير من المواطنين السوريين تحت القصف أو تحت التعذيب، لقد عدت منذ يومين من جنوب أفريقيا في زيارة تهدف على الإطلاع على تجربة هيئة الحقيقة والمصالحة فيها والتي أنشأت بعد تفكيك نظام الفصل العنصري ودخول جنوب أفريقيا في مرحلة التحول الديمقراطي بعد عام ١٩٩٤ ، إن نظام الفصل العنصري كأسوأ نظام طورته البشرية يقوم على التمييز والعنصرية بما يترك أثرا استثنائيا على المستوى القانوني والنفسي والاقتصادي والسياسي للمواطنين إلا أنه كان يقوم على فكرة احترام حق المواطن في الحياة ، فالمجزرة الوحيدة التي ارتكبها نظام الفصل العنصري كانت في عام ١٩٦٩ حيث أطلقت قوات الشرطة النار على المتظاهرين السود السلميين وقتلت ما يقارب ٦٩ شخصا وجرحت المئات وكانت علامة فارقة في تاريخ جنوب أفريقيا حيث دفعت المؤتمر الوطني الإفريقي برئاسة مانديلا في ذلك الوقت إلى إعلان الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة بعد فشل كل الوسائل الأخرى لمقاومة نظام الفصل العنصري الأبارتهايد، تبدو القصة ذاتها التي دفعت الثورة السورية إلى حمل السلاح بعد فشل كل وسائل كل التغيير بالمظاهرات والاحتجاجات السلمية ، لكن مع الفارق أن ضحايا الثورة السورية في تلك الفترة كان يفوق عن ٦ آلاف ضحية حتى سبتمبر ٢٠١١ ، إن عدد ضحايا نظام الفصل العنصري على مدى أربعين عاما لم تجاوز العشرة آلاف ضحية ، لكننا نتحدث عن سقوط أكثر من ١٥٠ ألف ضحية جراء الاستخدام المكثف للطيران بالبراميل المتفجرة والقصف العشوائي واستخدام صواريخ السكود وربما منهم اكثر من ٢٠ ألف ضحية تحت التعذيب ، الأرقام هنا تدلنا فقط على حجم المعاناة والمأساة التي يعيشها السوريون يوما بيوم وبالتالي لنا أن نتخيل صعوبة التحول او المصالحة في المستقبل بسبب حجم الجرائم المرتكبة واتساعها

إن الهيئة السورية للعدالة الانتقالية والتي أنشأت بقرار من الحكومة المؤقتة بهدف وضع البرامج والسياسات الخاصة بالمحاسبة والعدالة الانتقالية ، وهي هيئة مستقلة بالرغم من قرار تشكيلها ولا يمكن لهكذا هيئة إلا ان تكون مستقلة فلا تخضع في قراراتها لأي تأثير سياسي يحد من صلاحياتها أو يوجه قراراتها، إن أول البرامج التي نعمل عليها والتي من أجله يعقد هذا اللقاء هو البحث في طرق ضمان المحاسبة للمجرمين الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري، إذ من المستحيل أن تتمكن سورية من فتح صفحة جديدة للمستقبل دون محاسبة لكل هذه الجرائم المرتكبة ، فعدم المحاسبة يفتح الباب واسعا أمام الانتقام ، وانتشار ثقافة الإفلات من العقاب تعزز استمرار دورة العنف وتمنع تأسيس حكم جديد قائم على العدل والمساواة ، ولذلك ومنذ اليوم الأول بدأت الهيئة بالتفكير في الخيارات الممكنة أمام السوريين من أجل ضمان تحقيق المحاسبة ، فمع كل تقرير حقوقي جديد يبرز السؤال أين المحاسبة ؟ ومع كل كشف عن ضحايا جدد أو فظاعة ارتكبت يظهر السؤال مجددا : هل من المعقول أن نجد كل هذه الجرائم وأن لا يكون هناك تحقيق جنائي او محاسبة للمتركبين والفاعلين ؟ تبدو الإجابة بسيطة لكنه مؤلمة وهي أنه لا توجد محكمة يمكن من خلالها إحالة كل الجرائم للتحقيق فيها والمحاسبة عليها، ولذلك يمكن القول أن هناك عدة احتمالات :

الأول اللجوء إلى القضاء السوري الوطني أو المحلي كما يطلق عليه، وهو كما يتابع السوريون يوميا فشل فشلا ذريعا في ضمان المحاسبة، حيث لم يفتح تحقيقا واحدا حتى ولو بحق رجل شرطة وليس رئيس فرع أمني أو جهاز حكومي ولم تستطع المحاكم السورية أو المدعي العام الذي لا يعرف كل السوريين اسمه أو صفته رغم أنه رمز وطني للعدالة الوطنية أن يفتح تحقيق في أي من الانتهاكات الخاصة بالقتل خارج نطاق القضاء او التعذيب او العنف الجنسي أو الاعتقال السياسي او القتل الجماعي وهي كلها تدخل من باب الجرائم ضد الإنسانية ، لقد فشل القضاء السوري فشلا ذريعا في ضمان حد أدنى من المحاسبة وأعتقد أن ذلك كان نتيجة طبيعية لما تحدثنا عنه منذ البداية وهو انهيار فكرة القانون كفكرة مؤسسة في عقلية أسرة الأسد الحاكمة.

الخيار الثاني وهو اللجوء إلى المحاكم الدولية وخاصة محكمة الجنايات الدولية ، والإجابة التي أصبحت معروفة لكل سوري ، أن سورية دولة ليست موقعة على اتفاق روما الأساسي المنشأ لمحكمة الجنايات الدولية وبالتالي فالطريقة الوحيدة لكي يستطيع الإدعاء العام في محكمة الجنايات الدولية فتح تحقيق في الجرائم التي حدثت في سورية هي الإحالة من قبل قرار في مجلس الأمن الدولي تماماً كما جرى في دارفور وهو الأمر الذي تقف روسيا ضده بقوة وتمنع الإحالة هذه باستخدامها للفيتو، وبالتالي أغلق هذا الخيار أمام السوريين حتى تتغير سياسات مجلس الأمن ولا تبدو أي مؤشرات على هذا التغيير خاصة من قبل الجانب الروسي.

الخيار الثالث هو ما يسمى المحاكم المختلطة أي أن تكون محكمة سورية وبقضاة سوريين لكن بوجود قضاة دوليين ، وهذا الخيار يبدو الأقرب والأفضل بالنسبة للسوريين وهو ما نسعى من خلال الهيئة الى تحقيقه وتنفيذه ، وتتعدد أشكال المحاكم الدولية المختلطة وهي بالعموم تكون نتاج مفاوضات بين حكومة البلد وبين الامم المتحدة ، النموذج الذي نسعى إلى بناءه في سورية هو شبيه بنموذج المحكمة الدولية في سيراليون ولكن مع اتباع الخطوات ذاتها التي قامت على أساسها محكمة كمبوديا ، فمحكمة كمبوديا الدولية المختلطة هي المحكمة الوحيدة التي أنشأت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في حين أن كل المحاكم الدولية بما فيها المحكمة الخاصة بلبنان أنشأت بقرار من مجلس الأمن الدولي ، سنناقش في هذا المؤتمر الخطوات التي على الحكومة المؤقتة اتباعها من أجل تأسيس هكذا محكمة ؟ وذلك عبر تعاون وثيق من قبل الهيئة السورية للعدالة الانتقالية والقضاة والمحامين وناشطين حقوق الإنسان والضحايا الذين يكونون اليوم ما يسمى صوت العدالة الغائب في الأزمة السورية ، فقد أظهرت مفاوضات جنيف عن فقر مخز في لغة العدالة والمحاسبة ليس من قبل النظام فقط وهو معروف ولسنا بحاجة الى تأكيده وإنما من قبل المعارضة الذي افتقر خطابها ومفرداتها لأي تأكيد على العدالة أو المحاسبة ، ولم تقدم أي تصور يتمكن من خلاله السوريون الضمانات الكافية لإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، يجب ان تكون العدالة البوصلة التي نتحرك من خلالها ، واللغة التي نختار بينها كلماتنا ، فالسياسة كما طرحت في جنيف لا تعني السوريين إلا بما تؤكده من ضمانات للمحاسبة لما جرى في الماضي وضمانات لئلا يتكرر ذلك في المستقبل. وهو ما فشل الائتلاف فشلا ذريعا في أني عكسه في ممارساته أو خطابه السياسي