ياسين الحاج صالح

لعلّي لا أختلف عن سوريين كثيرين في النفور من أي تذكّر تفصيلي لوقائع السنوات المجنونة، مثل مذبحة تدمر 1980، أو تاريخ سجن تدمر كله بين أواخر السبعينات حتى إغلاقه عام 2001، أو مأساة حماة 1982، أو حتى المحطات الرئيسية في تاريخ حبسي الشخصي. لا يختلف هذا النفور عن موقف من يغير دربه كي يتجنب رؤية جثة مشنوق تتدلى في مكان عام. وبعد كل هذه السنوات من لا يريد اليوم أن يوفر على نفسه رؤية جثة القتيل المشوهة، المتفسخة! لكننا أهل الميت، والجثة جثتنا، ولا مفر من تعرفنا عليها وغسلها وإكرامها بالدفن. التذكر صعب حقا، لكن النسيان ممنوع. في كل عام، حين يقترب الشهر الأخير وتقترب ذكرى اعتقالي وذكرى الإفراج عني، يلح علي من جديد الشعور بضرورة أن أكتب أطرافا من حكايتي، أكتبها لا لأرث أرض الكلام وأملك المعنى كما زعم محمود درويش، ولكن لأكف عن الهرب وأتخفف من عبء الحكاية. لكن كل عام، وقد قاربت اليوم سبعا، يتكرر الهرب وتتأجل المواجهة من جديد . وتمر السنوات وأشعر أكثر وأكثر أنني أخون نفسي وأخون اصدقائي الذين ماتوا في السجن أو بعيد خروجهم منه، وأخون الأمهات والآباء الذين ماتوا في الانتظار؛ أو ربما أترك جثثهم في العراء. ولم يساعد أحد السجين أن ينسى، وبخاصة لم تقدم السلطات الرسمية في البلاد أية مساعدة على النسيان للألوف ممن اكتووا بنار المحنة التي دامت طويلا طويلا. بل كأنها، وهي تتحدث اليوم عن “الاستقرار والاستمرار” تريد إبقاء ذاكرة الخوف حية في النفوس. أو لعلها تريد لنا من الذاكرة ما يكفي لأن نبقى خائفين ومن النسيان ما يكفي لعدم مطالبتها بشيئ. وإلا فتهمة الثأرية ونزعة الانتقام جاهزة. وأمر هذا الاتهام عجيب بالفعل في درجة انعدام الأمانة والاستقامة فيه: فكأن مظالم رُدّت لأهلها، وكأن حقوقا عادت إلى أصحابها، وكأن كلمة واحدة قيلت لتطييب خواطر الضحايا، وكأن أحداً اعتذر ممن طعنوا في صميم إنسانيتهم ومواطنتهم، وكأن سجونا فُرّغت من سكانها، وكأن منفيا واحدا عاد بكامل حريته، وكأن محكمة أمن الدولة ألغيت، والاعتقالات السياسة باتت شيئا من الماضي… كأن كل ذلك تحقق، فيما الضحايا السابقون مصرون على “ركب رؤوسهم”، لا يرضون بأقل من أن يسجنوا من سجنهم وينفوا من نفاهم… ويستبدوا… ويتحكموا. عبور مستنقعنا لكني باستعادة تدمري الخاصة هنا احتفل بذكرى مذبحة 26 حزيران 1980 بطريقة ربما تتسع لمشاركة آخرين، وأحاول التدرب على الانفصال عن تجربة ما انفكت ممسكة بتلابيبي. أريد أن أتركها في الماضي لأنال استقلالي عنها أو لأتحرر منها. لأستطيع أن أتذكر وأنسى باختياري. فإذا كنت لا أستطيع النسيان الآن فلأن الماضي لم يمض ولأني لا أزال موضوعا للتجربة وليست هي موضوعي، ولذلك أيضا لا أستطيع أن أتذكر بحرية ماضيا لم ينفصل عني. ولعل كثيرين مثلي حاولوا ويحاولون السيطرة على شوك تجربتهم، ولعله لم تتح لمعظمهم فرص أتيحت لي لمقاومة الاستسلام. أعرف أن كثيرين استسلموا، تركوا أنفسهم لاختلاط نسيان مُشوِّش أو لتثبُّت الذاكرة على عذاب الماضي ومهانته؛ ترك بعضهم جرح روحه يندمل دون أن ينظفه ويطهره، ويرعى بعضهم جرحه كأعز ما يملك، يتركه ينزف كي يدخر شراسة طازجة لمستقبل ينتقم فيه. لكن الاستسلام، بشكليه، ليس خطيرا عليهم وحدهم، ولن أقول إنه خطير على هذه البلد الحزين والمجهول؛ إنه خطير على أية فرص محتملة لنا لأن نتصالح مع أنفسنا ونستحق حريتنا، حرية كل واحد منا وحريتنا جميعا. الآن أضحى فك قيد الحكاية عنصراً أساسياً من أية تجربة ممكنة للتحرر من قيودنا. هذا المستنقع مستنقعنا نحن: لا نستطيع التحليق فوقه ولا توكيل غيرنا باقتحامه بدلا منا، لكن يمكن أن نعبره بحرص أو بطيش. الخيار لنا.

اللجنة في الشهر الأخير من عام 1995 كنت قد أنهيت 15 عاما من الحبس قضت بها علي “محكمة أمن الدولة العليا” في دمشق، وهي المحكمة التي أحلت إليها بين 600 آخرين في ربيع عام 1992، أي بعد قرابة 11عاما ونصف من اعتقالي أو “توقيفي الاحترازي” (شيئ شبيه بمذهب “الضربات الاستباقية” الأميركي، أصاب عشرات الألوف بين أواخر السبعينات وأوائل التسعينات). وبدلا من أن يُطلق سراحي عُرِضْت على “لجنة أمنية” من النوع الذي سبق لي أن خبرته أكثر من مرة. الشيئ الذي تفعله اللجنة اسمه “مساومة”، أي عرض صفقة “يتعاون” السجين فيها مع أجهزة الأمن (يقول أعضاء اللجنة، وهم ضباط كبار في أجهزة الأمن، إن التعاون تعبير عن “حسن نية” السجين إزاء… الدولة!) فيشي بأصدقائه ورفاقه أو “يكتب التقارير” عنهم، أو على الأقل يتعهد بعدم “العمل بالسياسة”، مقابل الإفراج عنه؛ وإلا يبقى في السجن إلى ما شاء الله. وليس هناك أي زلل في اعتبار “المساومة” تدريبا على الخيانة. قلت للعميد الذي طرح علي العرض: إني صاحب حق الآن. فقد اعتقلتموني أكثر من 11 عاما دون تهمة، ثم قدمتموني إلى محكمة استثنائية غير علنية، لا دفاع فيها ولا شهود، ثم دون أن يجبركم أحد حكمتم علي بالسجن 15 عاما. أنا صاحب حق الآنَ! بالحرف الواحد قال الرجل الذي سيشغل منصبا وزاريا في حكومة ميرو الأولى: ما إلك حق عندنا! وبعد ثلاثة أسابيع، في بداية عام 1996، نُقلنا، ثلاثين سجينا، إلى سجن تدمر الرهيب الذي يستحق سمعته الشنيعة وأكثر. وكان “أعدل” ما في الأمر أن بيننا أناس وافقوا على شروط “المساومة” كلها إلى درجة أنهم وعدوا بأنهم سيبيتون ليلة الغد في بيوتهم. لكن الغد لم يأت بالنسبة للبعض منهم إلا بعد خمس سنوات تدمريات ونصف. ولم يفرج عن شخص واحد عند انتهاء المدة التي وجدتها “محكمة أمن الدولة العليا” عادلة. وحين كان يفرج عنا بعد إلحاق هزيمة حزيرانية كاسحة بنا في سجن تدمر كانت تجري “مفاوضات” مساومة جديدة ليقطف المنتصرون ثمار نصرهم المؤزر. إذ يجب ألا يخرج أحد من السجن فرحا طليقا! لا أعرف أي حدس ومض في ذهن صنع الله ابراهيم حين كتب روايته الصغيرة “اللجنة”. لكن ليس حدثا روائيا ولا مفاجئة درامية أن انتهت لجنته إلى أمر بطل الرواية بأن يأكل نفسه؛ لا، هذا الأمر هو جزء من تعريف اللجنة بالذات. فاللجنة لا تكون لجنة إلا لأنها تملك هذا السلطان: كلوا أنفسكم! أسوأ من الأسوأ! لطالما تملكني خلال الأيام التالية لموعد الإفراج المفترض عني، بين 7/12/ 1995 و3/1/1996، شعور عاصر بالقلق؛ ولم أحتج إلى كثير من الجهد لأعرف أن هذا القلق مصنوع من الخوف المحض. كانت اللجنة قد توعدت بإرسالي إلى تدمر إن لم “أوقع” عقدا بأكل نفسي، لكن رأسي بقي “يابسا”. ولم يكن في هذا اليباس أية بطولة. فبكل بساطة لم أصدق التهديد، وكان لدي من الأسباب “العقلانية” ما يجعل عدم تصديقي معقولا. غير أن أسبابي العقلانية لا تدل إلا على عدم استيعابي للعقلانية “غير المتوازية” للسلطة المطلقة والاعتباطية، أعني قدرتها دائما على اختراق سقف العقل، على مفاجأتك بما لا يخطر لك ببال، نفورها من أية قاعدة مطردة أو قانون مستقر يتيح لضحاياها درجة من التوقع الرشيد لأفعالها والتكيف المعقول معها. وطوال خمسة عشر عاما كان “القانون” الوحيد هو أن هناك دائما ما هو أسوأ من أسوأ مخاوفنا: كان السجن العرفي الذي سيدوم سنوات تتراوح بين أية مدة وأحد عشر عاما ونصف، كانت المساومات المتطرفة المبنية على فلسفة كل شيئ لـ”الدولة” مقابل لا شيئ للسجين، كانت قبلها فنون القسوة في التعذيب، كان قطع الزيارات للاسبب، كان رفض التعامل معنا كسياسيين وكمجموعات، كانت محكمة أمن الدولة…، فلماذا لا تكون تدمر ممكنة بعد 15 عاما؟ كان شعوري يعرف أحسن من عقلي، وكان يعبر عن نفسه بنوع من القلق الكتيم الثقيل. وفي تلك الفترة فقط، وحتى قبل الشحن إلى تدمر، عرفتُ معنى الزلزلة الجذرية للأمن وخبرتُ تَقصُّف الرّكب، وأمام اللجنة عرفت ما معنى نشفان الريق. لكن قد لا يكون السبب الخوف من اللجنة نفسها، لأني بالفعل لم أكن خائفا، بل هو الخوف من أني عدت من جديد ريشة في مهب الريح بعد أن ظننت أني اقتربت من المرسى. في ذاكرتي تمثل الأسابيع الثلاثة بين “مساومة” اللجنة في 10/12/1995 وموعد نقلنا إلى سجن تدمر فترة الافتقار العميق للأمن وتبعثر كل توقعاتي وخططي. ورغم أني طمأنت زملائي بأن تدمر مجرد تهديد، فإن عقلي الباطن لم يطمئن. في تلك الأسابيع الثلاثة كتبت 40 صفحة متوترة عن الحرية والأمن، لكن السجانين لم يسمحوا لي بأخذ دفتري حين أفرج عني بعد قرابة عام، وكنت في وضع الناجي المستعد لخلع قميصه ليملص من المأزق. اعتقال في اعتقال أطبقت المجلد الأول من كتاب محمد عابد الجابري عن فلسفة العلوم عند الصفحة 120 في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم 3/1/1996. تقلبت في فراشي مثل دجاجة تشوى طوال ساعة تقريبا. كنت نهبا للقلق والرعب في تلك الليلة. كنت قلقا من هذه القسوة التي لا حدود لها التي يمكن أن تسحقني مثل قملة. قلقا من استحالة توقع المصير. قلقا من أني عدت إلى نقطة الصفر في الشهر الأخير من عام 1980، عدت موقوفا “عرفيا” أو “احترازيا”، ولا تزال صفحات الدفتر الجديد بيضاء كلها. حوالي الخامسة والنصف صباحا سمعت صوت مفتاح في قفل المهجع الأول من جناح السياسيين في سجن دمشق المركزي المعروف بسجن عدرا. اختلجت أمعائي بقوة حيال كسر العادة الاستثنائي هذا (تفتح أبواب المهاجع عادة في الثامنة صباحا). فُتحت الأبواب كلها، وطُلِب منا أن نَضُبَّ أغراضنا الشخصية. إلى أين؟ منذ البداية تسرب إلينا أننا منقولون إلى سجن تدمر، لكن كان للرجاء والتوهم رواياتهما: ذاهبون إلى فرع الأمن من أجل مساومة جديدة، ذاهبون إلى سجن صيدنايا حيث سيتم جمع كل السجناء في البلد قبل الإفراج عنهم… في “العادة” يؤخذ سجناء الرأي من أمثالنا إلى تدمر إما بُعيْد اعتقالهم أو عقابا لهم على مشكلة تسببوا بها في سجنهم الأصلي: إضراب عن الطعام مثلا (أما الإسلاميون فسجن تدمر هو “مكانهم الطبيعي”). أما بعد سنوات طويلة من الحبس، وبعد الإحالة إلى محكمة أمن الدولة، وعند نهاية النصف الأول من التسعينات، فهذا يتجاوز حد تخيلنا. ويبلغ الأمر في حالتي الشخصية حد المعقول لأني أنهيت سنوات حكم محكمة أمن الدولة الخمسة عشر. لكن حالتي لم تكن فريدة جدا. فقد كانت مجموعتنا المشحونة إلى تدمر في عز مربعانية الشتاء تضم سجناء أنهوا 14 عاما، أو اقتربوا من نهاية أحكامهم التي كانت تتراوح بين 8 سنوات وخمسة عشر عاما. وصلت وجوهنا الصفراء السجن ظهرا. ولاحظنا درجة من الدهشة عند إدارة السجن لوصول سجناء قدماء تجاوز كثيرون منهم عشر سنوات. تم تلقيننا بروتوكول السجن بسرعة: الرؤوس منكسة دائما، الكلام همسا، الشعر والذقن والشاربين حليقة دائما… وتم اقتيادنا من الإدارة إلى المهجع المخصص لنا ورأس كل منا عند أسفل ظهر متقدمه وعلى عيني كل منا قميص داخلي أو بشكير. وكانت قافلتنا تتحرك بإيعازات تبلغنا أن هناك درجة أو بابا، وربما صاحبت الإيعاز رفسة على المؤخرة أو لكمة على الظهر. تكسير خشب أظن أن شعورنا في يومنا الأول لا يختلف عن شعور من وقع في بئر عميق في منطقة مقطوعة عن العالم. لعله شعور آدم بعد السقوط. اختاروا أحدنا رئيسا للمهجع وأبلغوه أن النوم في السابعة مساء والاستيقاظ في السابعة صباحا، وشرحوا “نظام التعليم” باختصار، وحددوا مواعيد الطعام وكيف نستقبله. وحين أحيل إليـ”هم” بصفة جمعية غير محددة فليس رغبة مني في شملهم بهوية أتميز عنها؛ بل لأنهم غارقون فعلا في غفلية لا تتمايز. فلم أر ولم ير أحد من زملائي تعابير وجه أحد منهم أبدا ولم ننظر قط في عيني أي منهم. ممنوع. فالعين ليست مغرفة الكلام فقط، حسب قول شعبي بديع، وإنما هي قناة التراسل والتعرف والتواطؤ والتنبؤ، أي العلاقة الإنسانية. مرة طلب رئيس المهجع من المساعد أول، المسؤول المباشر عنا، أن نرفع رؤوسنا حين نتحدث إلى السجانين؛ رد البطل: وماذا فعلتم مما يرفع الرأس لترفعوا رؤوسكم؟! صباح اليوم التالي سمعت ما ظننت أنها أصوات تكسير خشب آتية من بعيد. لكنها كانت تقترب بين حين وآخر. في التاسعة والنصف فتح باب مهجعنا، وتم استقبالنا رسمياً. “الاستقبال” أو “التشريفة” هو حفلة “فلقة” من 100 “كبل” في “الدولاب” لكل واحد منا (قد “يأكل” الإسلاميون 500 كبلا) ونحن عراة إلا من الكلاسين. والهدف منها “كسر العين”. استغرق تكسير خشبنا نحن الـ11 نحو ساعة (قسمنا إلى 22 شيوعيا موزعين على مهجعين، وفصل عنا 8 من “البعثيين العراقيين” أخذوا إلى مهجع مستقل). وحين كان بعض عناصر السجن “يُدَوْلِبوننا”، تولى آخرون منهم تفتيش أغراضنا. سمح لنا بالألبسة الشخصية فقط. طوال أسابيع ظل السجانون مستغربين من إرسالنا إليهم، لكنهم ارتاحوا في النهاية إلى فكرة أنه لو لم نكن أولاد قحبة لما نقلنا إلى تدمر. وبالفعل يصعب أن يجود أحد منا بشهادة بسجن تدمر أبلغ من هذه. اقترح أحد السجناء أن يكون شعار سجننا الجديد شعار جحيم دانتي: أيها الداخل إلى هذا المكان، تخلَّ عن كل أمل! الغريب أني لم أصب بالرشح او الكريب هناك أبداً رغم جو تدمر الصحراوي القارس شتاء، ورغم انعدام التدفئة وقلة الأغطية والألبسة، ورغم حمام الماء البارد دائما، ورغم أني كنت سهل الإصابة بأمراض البرد في ظروف أحسن بكثير في سجن عدرا وقبله في سجن المسلمية في حلب. أظن أن الجسم يستنفر كل طاقاته للتكيف مع وضع طارئ صعب. “نظام التعليم” طوال شهر ونصف لم أتعرض لأي أذى جسدي يتجاوز بضعة “كفوف” على الوجه، بينما أصاب معظم زملائي عقاب أشد، “المعلَّمين” منهم بخاصة. و”التعليم” هو تمييز بعض السجناء بعلامة محددة (أبو البيجاما الخضرا، أو صاحب الفرشة الثالثة من اليمين مثلا) ليعاقبوا حين يفتح باب المهجع، أو غالباً صباح اليوم التالي، بعد استلام الفطور أو عند إخراجنا إلى الباحة. ويُطلَب عادة من رئيس المهجع أن “يُعلِّم” أي عدد من السجناء يخطر على بال السجان ولأية أسباب يرتئيها. والعقاب يتراوح بين بضعة “كفوف” أو عشرات منها إلى “دَوْلَبَة” المعلَّم المنكود. الأشنع من العقاب هو انخلاع قلب المعلم في انتظار العقاب، والشعور المقيت بدبيب ملايين ديدان الخوف في الأحشاء والعضلات. والهدف من نظام التعليم التدمري هو غرس المنعكسات الشرطية المناسبة، ومنع “روح” الاستقبال أو التشريفة من التقادم، أو ببساطة إنعاش كسر العين. ولدي شبهة بأن مصدر “نظام التعليم” هذا هو نفسه مصدر ديمقراطيتنا الشعبية، أوربا الشرقية. إذ يروي كثيرون أن سوريا استوردت، منذ بداية الأزمة السورية أواخر السبعينات، خبراء أوربيين شرقيين في شؤون التحقيق وانتزاع المعلومات و”تربية” السجناء. لكن في إحدى الليالي كنت “ليْلِيّاً”، أي أقوم بنوبة حراسة مدة ساعتين لزملائي النيام، أكون مسؤولا فيهما عن كيفية نومهم (“مسايفة”، أي على جنوبهم حصرا) وعن وضع “الطمّاشات” على عيونهم وعدم انزياحها للأعلى أو الأسفل، وعن عدم وجود أي منهم في دورة المياه، وعن أي شيئ يخطر على بال “حضرة الرقيب أول” فوق سطح السجن، ألوان فُروج أمهاتنا مثلا. (كنا نخاطب أي سجان “حضرة الرقيب أول” خشية أن يكون رقيباً أول بالفعل، وكان السؤال عن لون فرج الأم روتينيا). من “الشّرّاقة”، الشباك المفتوح دائما في سقف المهجع والذي تتنزّل منه أوامر التعليم عادة، لاحظ الحارس أن أحذية زملائي وشحّاطاتهم ليست مُرتّبة في زاوية محددة من المهجع. وهكذا عثر لي على ما يسليني لبعض الوقت في “ليليّتي” المملة: نقل الأحذية والشحاطات بفمي إلى أحد أركان المهجع. وكان علي أن ألتقطها بفمي مباشرة دون مشاركة من يدي. في اليوم التالي بادرت إلى السخرية من عقابي، وأعلنت لزملائي أني بعد صيام أكثر من شهر ونصف أفطرت على … شحاطات. لكن الأيام كشفت أن هذا النوع من الإفطار ليس بدعة دهمت خيال سجان في لحظة سأم. مر علينا صيف 1996 فظيعا من شدة الخوف وغزارة “التعليم” وسريالية أفانين الترويع. في أحد أيام ذلك الصيف، وبينما كنا جالسين منكّسي الرؤوس وأيدينا خلف ظهورنا تحت شمس آب الحارقة في حوش المهجع، أمر السجان بأن يضع كل منا “شرفه” في فمه. كززنا على فردات أحذيتنا بأسناننا وأبقينا أيدينا خلف ظهورنا المحدودبة. وكان حضرة الرقيب أول متسامحا حين تبين له أن الشخص الستيني الذي كان يسند “شرفه” بيده إنما كان يؤازر طقم أسنانه في الإطباق على فردة الحذاء. في ذلك الصيف عرفت الخوف كشعور جسدي محسوس، لا كقلق. كنت أعرف أنه الخوف ذلك الشعور الذي لا يوصف ولا يطاق، شعور الوهن والتآكل الذي أحس به يدب في خاصرتي وفي عضلات عضدي. كدت أفقد وعيي مرة من الخوف وأنا ليليّ لو لم أوقظ رئيس المهجع ليتولى دقائق قليلة باقية من مناوبتي.

“صراصير غدارة” غير مرئي فوق سطح المهجع، يشرف علينا دون أن نراه، كان “حضرة الرقيب أول” غاضبا لسبب غير مفهوم، لعلها شمس آب الحارقة في تدمر توتر أعصابه. كنا، منكسي الرؤوس محدودبي الظهور، منشورين في سكون تام في حوش مهجع “المستوصف”، كأننا خضار تجفف. قرر بداية أننا ضباع غدارة، ولم يلبث أن تدارك بأننا صراصير غدارة. هذا أنسب، فقد كان واحدنا يشبه الآخر شبه الصرصور بالصرصور. الضبع حيوان كريه وشرس، لا يستغرب الغدر منه، هو قادر عليه وربما ينتفع منه. أما وضاعة شأن الصرصور وانعدام شخصيته التام واستحالة أن يجني شيئا من غدره، فتجعله أشد إثارة للاحتقار والسخط، لا أقل. بوجوده وحده، وأكثر بغدره، يهدد الصرصور بمحو الفارق بينه وبين عالم حضرات الرقباء الأولين. وهذا خطر وجودي، لا مجال للتسامح به. مجرد التفكير في أن كائنا قذرا مقززا كهذا يقف في مواجهة الحضرة إهانة لا تطاق، لا يمحوها إلا سحقه. السحق وحده ما يعيد نصب الفارق الوجودي بين الحضرات والصراصير. وبينما ضعف الصراصير يجعل سحقها أمرا ميسورا، فإن غدرها يجعل سحقها أمرا مرغوبا وواجبا. التوبة! وقت تخرجي من الجامعة عام 2000، التقيت مصادفة فيها بزميلي دراسة سابقين كان قد أفرج عنهما قبل أسابيع فقط. قضى أحدهما 19 عاما في سجن تدمر والآخر 18 عاما بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين. ومع ذلك كانا يبدوان شخصين طبيعيين وبصحة جيدة. وأحدهما هو الذي تذكر أننا عملنا معا في مخبر الكيمياء في سنتنا الجامعية الأولى. ينبغي أن يكون هذا مذهلا: فسنة تدمرية واحدة في الثمانينات تعادل سنوات في التسعينات، وبتدويني هذه الشهادة أجازف أن أكون “نقاقا” قياساً إلى ما شهده ألوف قبلي. ولا شك أن الفضل في سلامة زميليّ الدراسة يعود لإيمانهما الديني. فلا أحد يستطيع منع السجين من اللجوء إلى ربه وإسلام روحه وقلبه له، حتى لو كانت الصلاة والصيام محظورين إطلاقاً في تلك البقعة “المحررة” من الغيبيات والعقائد الدينية. ولعله الإيمان أيضا ما كان يدفع كثيرين إلى التطوع لتلقي العقاب التعليمي المريع فداء لسجناء مرضى أو مسنين. أود في الختام أن أستعيد خاطرا ألح عليّ في ذلك المقام المخيف ذاك: هذا سجن لا يجوز هدمه أو تركه يتهدم. لم لا نقلبه إلى متحف لأدوات التعذيب، ونشيد فيه نصبا يكرم عذابات ضحاياه ويعلن أننا لن ننساهم. ونسمي هذا النصب نصب التوبة، توبتنا جميعا. هذا جزء من عملية أوسع، سياسية وثقافية وقانونية وإنسانية، تهدف إلى ضمان تسامي السوريون على أية دوافع ثأرية ممكنة وقطع الدائرة الجهنمية لتبادل مواقع القاتلين والمقتولين. فالضحية الدائمة لهذه الدائرة هي الجميع وبلد الجميع. سجن تدمر عار سوريا؛ وبتكريم ضحاياه نوزع هذا العار علينا جميعا وبالتساوي؛ هذا لا لأننا متساوون في المسؤولية عن الماضي، ولكن تعبيرا عن استعدادنا لتحمل المسؤولية معا في المستقبل.